المشاركة في الانتخابات البحرينية تسير في خط بياني متصاعد
المشاركة في الانتخابات البحرينية تسير في خط بياني متصاعد

فشل الدعوة التي أطلقها نشطاء وجهات قريبة من الإخوان المسلمين في مصر للتظاهر يوم 11 نوفمبر الجاري وكذلك فشل دعوات أطلقها ناشطون وجهات "معارضة" قريبة من نظام ولاية الفقيه في البحرين لمقاطعة الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت يوم السبت الماضي، يعكس حالة من الحذر والتوجس بدأت تنتشر في بعض المجتمعات العربية من الأحزاب والجماعات السياسية (وخاصة الإسلامية منها) الطامحة للوصول إلى السلطة، والتي تستخدم حالة الاضطراب وعدم الاستقرار من أجل الكسب السياسي. وحالة الحذر هذه مؤشر أيضا على أن بعض المجتمعات بدأت تتعلم من تجارب الماضي وهي بالتأكيد تتذكر اللدغات الكثيرة التي أتتها من نفس الجحر!

جهات عديدة كانت تتمنى بالطبع لو امتلئ ميدان التحرير وسط القاهرة بالمتظاهرين وعجت المدن الأخرى بالمسيرات، فيما كانت القنوات القضائية المعروفة تمنّي نفسها بصيد وفير ولم تكن لتستنكف عن تغطية أية مظاهرة ولو من عشرة أفراد والنفخ في صورتها. لكن ما حدث قد خيب آمال هؤلاء، إذ لم يخرج أي متظاهر واحد وجالت الكاميرات على ميدان التحرير وكذلك باقي المدن المصرية الرئيسية فلم يكن هناك سوى التجاهل التام للتظاهرات ودعاتها.

حاولت بعض هذه الجهات أن ترمي فشلها على الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها السلطات المصرية وكذلك الاعتقالات التي طالت بعض أنصارها. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع بمن فيهم هؤلاء هو أن أي إجراءات أمنية لم تكن لتتمكن من منع خروج المظاهرات ولو على نحو متواضع، لو كان الناس يؤيدونها فعلا، لكن من الواضح أن العزوف عن الخروج للشارع هو تعبير متزايد عن عدم الثقة في هذه الجهات.

وما حدث في مصر حدث في البحرين شيء يشبهه الى حد كبير. فهنا أيضا راهنت بعض الجهات على أن البحرينيين سوف يستجيبون إلى دعوات مقاطعة الانتخابات. لكن ما حدث كان هو العكس تماما، فقد بلغت نسبة المشاركة فيها نحو 73 في المئة. ورغم تفاوت نسب التصويت من محافظة إلى أخرى، إلا أن الاقبال الكبير على مراكز الاقتراع كان واضحا بصورة عامة وقد لمسته وسائل الإعلام التي غطت الحدث.

والأمر المثير هو أن المشاركة في الانتخابات البحرينية تسير في خط بياني متصاعد، رغم دعوات المقاطعة، فقد وصلت النسبة إلى 67 بالمئة في انتخابات عام 2018، في زيادة عن الانتخابات السابقة لها عام 2014 التي شارك فيها 53 بالمئة ممن يحق لهم التصويت.

والأمر الآخر هو المشاركة الكبيرة للنساء في الترشح لهذه الانتخابات، حيث نافسن في الغالبية الساحقة من الدوائر، وقد فازت سيدة في الجولة الأولى، فيما تخوض 9 نساء جولات إعادة، مع وجود فرص كبيرة لعدد منهن في الفوز.

والمسألة لا تتعلق بالانتخابات نفسها فقط، رغم أهميتها الكبيرة، ولكنها تعكس أيضا استمرار حالة التعافي التي يمر بها المجتمع البحريني بعد الأزمة الكبيرة والمؤسفة التي شهدتها البلاد عام 2011 وما رافقها من اضطرابات سياسية وانقسام مجتمعي.

وأظهر استطلاع جديد للرأي العام البحريني أجراه معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى عبر شركة أبحاث استطلاعية إقليمية مستقلة في الفترة من 17 يوليو حتى 10 أغسطس 2022، أن الغالبية العظمى من البحرينيين تريد إسلاما أكثر اعتدالا، حيث وافق حوالي 64 في المئة من المستطلع رأيهم على القول التالي: "يجب أن نستمع إلى أولئك من بيننا الذين يحاولون تفسير الإسلام بطريقة أكثر اعتدالًا وتسامحًا وحداثة".

وبحسب المعهد الأميركي فإن هذه النتيجة "تعكس على الأرجح، على الأقل بجزء كبير منها، رغبة واسعة النطاق في الجزيرة في تخفيف حدة الانقسام الديمغرافي المذهبي العميق، وتهميش المسلحين من الجهتين، سواء داخل البلاد أو خارجها".

يبقى أن نقول بإنه لا يوجد، بطبيعة الحال، ضمان في أي بلد عربي بأن الأمور سوف تأخذ دائما منحى إيجابيا، فلا تزال جماعات "الإسلام السياسي"، بشقيها السني والشيعي، قادرة على التأثير على أجزاء كبيرة من السكان، وفي بعض البلدان وصل الأمر حد التغلغل الشديد في جميع مفاصل الدولة، لكن الأمر المشجع هو أن عددا متزايدا من الناس بات يدرك على نحو أفضل طبيعة الهاوية التي تجر هذه الجماعات البلدان العربية إليها، ويكفي النظر إلى النماذج والأنظمة التي ينشدونها وإن بصور وأشكال مختلفة، ولكنها لا تخرج في جوهرها عن اثنين.. إما أفغانستان أو إيران!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.