الحرب الروسية  ضاعفت من الكوارث
الحرب الروسية ضاعفت من الكوارث

"من يشعر بالبرد ليس روسيا"، هذا ما يقوله مثل شعبي روسي رائج، وهو ما سيترجم عمليا عما قريب في امتحان مصيري للجيش الروسي مع اقتراب دخول الحرب على أوكرانيا شهرها العاشر، والتي تتحدث اليوم جميع التقارير الإعلامية والدراسات العسكرية عن تأثير فصل الشتاء على مجرياتها، وترسم سيناريوهات "شتوية" محتملة لها تستند إلى أمثلة حربية تاريخية متعددة أفضت في معظمها إلى إخفاقات كبيرة.   

يطلق على الشتاء الروسي القارس عدد من التسميات مثل "جنرال الشتاء" أو "جنرال الصقيع" أو "جنرال الوحل". والأخير هو الأكثر إرباكا ويدعى بالروسية "راسبوتيتسا". أي الموسم الموحل الذي يتكرر في فصلي الخريف والربيع بسبب الأمطار الغزيرة التي تتسبب بتعطيل أو إعاقة سير الآليات العسكرية والمدنية على حد سواء. وسبق لحضرة هذه "الجنرالات" المناخية مجتمعة، أو تفرد أحدها بجبروته المهيب، أن لعب دور الحسم لعدد من الحروب بين روسيا وعدد من الدول بحسب المراجع التاريخية.  

مثل الغزو السويدي لروسيا عام 1707 الذي واكب "الصقيع العظيم" الذي ضرب أوروبا في القرن الثامن عشر، وأيضاً الغزو الفرنسي لها 1812، وإبان حملة شمال روسيا لتدخل الحلفاء في الحرب الأهلية الروسية 1918، والغزو الألماني عام 1941 الذي عرف تاريخياً بعملية "باربروسا" نسبة إلى الامبراطور الألماني "فريدريك الأول باربروسا"، حيث تقول الأسطورة الألمانية إنه سيستيقظ من سباته وينقذ ألمانيا حين تحتاجه.  

غزوات تاريخية خرجت منها روسيا منتصرة على مهاجميها، لكن لا الامبراطور باربروسا، ولا أي من قياصرة روسيا، ولا حتى أحد ملوك أوروبا استيقظ من سباته عند الحاجة. الذي استيقظ فقط كان ملاك الموت الذي حصد مئات الآلاف من الأرواح البشرية بين الجنود المتحاربة الذين أصيبوا  بكوارث جمة مثل مايعرف بـ "قضمة الصقيع"، أو نهشت جثثهم وهاجمت معسكراتهم ذئاب الغابات المتوحشة، أو قضوا جوعاً بسبب تعطل وصول إمدادات الطعام والوقود ومصاعب "تشحيم" الآليات في ظل ظروف مناخية تعجيزية تدنت فيها درجات الحرارة إلى مادون الأربعين درجة تحت الصفر.  

لكنها في الوقت ذاته، لاشك أنها تجارب قاسية أكسبت العقيدة العسكرية الروسية مناعة وعناداً وخبرات مضاعفة تعول عليها في حربها الراهنة على أوكرانيا، رغم اختلاف تموضعها التاريخي من مدافع إلى مهاجم، واستناداً إلى اختلاف التقدم العلمي والتكنولوجي لهذا العصر الذي سيساهم في تجوز عراقيل المناخ. ولعل المثل الشعبي المستهل في البداية حول تحدي من يشعر بالبرد بأنه ليس روسّياً، قد انبثق من رحم مثل هذه الحروب كنوع من الفبركات اللغوية التي تستخدم لتحفيز الجنود ورفع الروح المعنوية والقتالية، حتى لو كانت مجرد فبركات مكابرة وواهية.  

في واقع الأمر، لن يكون الشتاء القادم امتحاناً ينحصر بترقب النجاح أو الفشل الروسي في كيفية أدائه لخبراته العسكرية الشتوية التاريخية المتراكمة، بل هو امتحان عسير لمعظم دول العالم، وضعتها فيه هذه الحرب الروسية على أوكرانيا وتسببت بزعزعة اقتصاداتها واستقرارها، وتسونامي غلاء فاحش ضرب معظم دول العالم، بسبب أزمة الطاقة العالمية، إضافة إلى أزمة القمح وإمداداته، والتي كلما شهدت بعض الانفراجات، عادت وتعثرت من حين إلى آخر.  

بعض المصادر الإعلامية الخاصة المقيمة في أوروبا يرون أن وسائل الإعلام والسوشال ميديا تبالغان في تضخيم "بعبع" البرد الذي سيعاني منه الأوربيون هذا الشتاء، وأن الأمور تبدو منضبطة إلى الآن قياساً بالسياسات الأوروبية  الحريصة والدقيقة في هذا المضمار، وأن احتمال بعض خطط التقنين قد تطبق بشكل مدروس، وتبدو أنها ستكون محتملة وغير ذات تأثير كبير.  

لكن ارتفاع التكلفة المطلوب تسديدها لأجل بعض رفاهية الدفء الأوروبي هو المقلق اليوم، وقد يثير اختناقات وبعض الاضطرابات، وبالتالي المقدرة على التحمل والتفهم الشعبي الأوربي العام للأثمان التي يدفعها بسبب حرب روسيا على أوكرانيا، قد تمضي على خير هذا الشتاء، لكن هذا الصبر قد لايطول إن طالت الحرب لسنوات، وهو مايرفع من غضب الأوربيين ضد روسيا التي تسببت بحربها بكل هذه الكوارث وقضت مضاجع العالم، بالجملة.   

وإن كانت السياسات الغربية قد احتاطت للأمر، إلا إن العديد من دول العالم التي تذوقت مرارات هذه الحرب بجرعات مختلفة لا تتمتع بمثل هذه الرؤى الاقتصادية بعيدة المدى، وستدفع بعض الدول، مثل لبنان وسوريا حصصاً باهظة ومضاعفة بسبب ظروفهما الاقتصادية والمعيشية الخانقة، التي زادتها حرب أوكرانيا اختناقاً مع الارتفاع المستمر لأسعار الغذاء والوقود الذي يتسبب مع كل زيادة طفيفة له بسلسلة مترابطة ولامتناهية من الاختناقات المعيشية.  

شتاء لبنان وسوريا بشكل خاص، والذي كان شعبا البلدين يعتبرانه أحد أجمل الفصول ويعولان على الرزق القادم منه، وفي ظل انقطاع الكهرباء شبه الدائم الذي أصاب مفاصل الطاقة في البلدين، سيكون موجعاً لهما جداً كما يتوقع، وسيقضم الصقيع القادم الجميع دون استثناء، وسنشهد مشاهد أكثر قسوة لغرق مخيمات النزوح واللجوء السورية، ويوميات مضنية لمعظم سكان البلدين في المدن والجبال، في ظل شح الوقود وعدم توفر السيولة النقدية حتى لبدائل الطاقة، إضافة إلى مآس متوقعة تتعلق بالأمراض التي يسببها الطقس البارد.  

الحرب الروسية وإن كانت تجري فوق الأراضي الأوكرانية، إلا أنها ضاعفت من الكوارث المقيمة في الأساس للعديد من الدول، وقلبت موازين العالم وحياته، وحولت حياة الناس بفعل تداعياتها إلى حرب يومية طاحنة لأجل البقاء، واقحمت الجميع في امتحان الشتاء الصعب القادم ومواجهة "جنرالاته" العتاة، فيما سيد "الكرملين" لن يشعر بالبرد، ليس لأنه روسي، بل لأن مكتبه دافىء جداً.    

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.