قطر تتعرض لانتقادات حادة خلال تنظيمها للمونديال

هناك تسونامي مزدوج على مرحلتين، عصف بالكوكب كله وغير في طريق اجتياحاته بالمرحلتين منظومة العلاقات الدولية ومنهجياتها وطرقها، وفي طريقه "بالمرحلتين" قام كما يقوم أي إعصار ضخم بتعرية المستور وكشف المخفي وفتح العيون على ما لم يكن يراه أحد تحت الأغطية التي طارت. 

المرحلة الأولى كانت جائحة الكورونا بكل سلالاتها منذ السلالة الأولى التي باغتت العالم ووضعته في الإقامة الجبرية فغيرت "ضمن نسق يتماهى مع ثورة تكنولوجيا المعلومات" القواعد الاقتصادية والتجارية التقليدية، كما كشفت ضعف "القوة" التي كنا كبشر نتوهمها في الأحجام الضخمة، لنستوعب وبصعوبة وأثمان فادحة أن القوة ليست بالأحجام امام فيروس لا يمكن رؤيته ولا محاصرته، إلا بلقاح يحتاج علماء ومختبرات وعلوما تبدأ بالبيولوجيا ولا تنتهي بالنانو. وكشفت المرحلة الأولى "الكوفيدية" بكل مواسمها المتتابعة وضحاياها المليونية أن أزماتنا في العالم الذي نعيشه يمكن حلها بالتعاون والمشاركة المنهجية ليكون كوكبا واحدا للجميع، أو ننتهي بلا كوكب على الإطلاق. 

في المرحلة الثانية من تسونامي، ولم تلتقط البشرية أنفاسها بعد، وقد دفنت ضحاياها المخطوفين على غفلة في الوباء، كانت الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي تجاوزت كونها حربا إقليمية في جغرافيا محددة إلى كونها صراع "عالمي" محتوم بين رؤى مختلفة في المعتقدات والرؤى الاجتماعية استفحلت إلى تباينات سياسية وهواجس سيطرة وتوتر في خطوط تماس المجال الحيوي بين الجميع. 

تلك المرحلة الثانية تحديدا، كشفت هشاشة "الاقتصاد" العالمي وعلاقاته التجارية البينية وظهرت على السطح مصطلحات جديدة لم نعهدها لكنها العمود الفقري لكل تفاصيل حياتنا مثل "سلاسل التزويد"، ونكتشف أن الأمن الغذائي حالة حيوية لنعيش نواجه فيه إرهابا من نوع جديد هو إرهاب الجوع والحاجة، في عالم اعتاد الترف الاستهلاكي في حدوده القصوى. 

هذه الزحزحة القارية في العلاقات الدولية ومنظومتها بكل تفاصيلها كان من تداعياتها الضرورية لتكتمل تلك الفيضانات والبراكين "بالمعنى المجازي"، ومنذ ذلك "التسونامي" العالمي ظهرت في محيطات وبحار العلاقات الدولية جزر خضراء جديدة تعكس عوالما جديدة، تلك الجزر تركزت في وسط العالم، مركزه القديم تاريخيا والذي عهدنا تسميته "الشرق الأوسط" ومنه – ويا للمفارقة- تظهر الحلول التفاؤلية لعالم لا يزال يعيش ارتباكاته اللحظية. 

ننتهي بقمة شرم الشيخ للمناخ التي تحتضنها مصر، و مبادرات إقليمية محلية تتوسع وتتمدد مثل «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، مرورا  باجتماع  G20 الذي يتشفع فيه العالم كله عند القيادات العربية لإعادة استقرار سوق الطاقة العالمي والمأزوم، ومداخلات أوبك بلس التي تصدت للهيمنة التقليدية كان الحضور العربي فيها رائدا بوضوح، وليس أقلها مشاريع ثلاثية ورباعية إقليمية لا تهتم لكل مفردات السياسة بقدر ما هي مهتمة وبتسارع لإنتاج مشاريع تكاملية في الغذاء والزراعة والصناعات التكنولوجية والتنمية على الأرض والواقع.

لقد كانت كلها رد الفعل العقلاني المباشر والمدروس على كل الجنون الذي يعصف – لا يزال- في العالم، وها نحن نشهد تنظيما "خرافيا" لكأس العالم في بلد صغير تحمل تاريخيا "مع باقي منظومته الخليجية" كثيرا من سيول السخرية والاستهزاء والغطرسة لتصبح تلك المنظومة الخليجية كلها المحرك التوربيني لأمن العالم في خضم كل الكوارث والأزمات وما عليك إلا متابعة خبر حجم المساعدات الإنسانية المرسلة الضخمة إلى أي بقعة في العالم تحت وطأة كارثة جوع أو طبيعة غاضبة، وتلك المنظومة الخليجية – العربية هي التي تبادر بابتكار حلول الأزمات السياسية سواء في أثيوبيا والسودان أو حتى في أوكرانيا لتحمل دولة الإمارات العربية المتحدة مبادرتها بثقة دولية ثقيلة. 

نحن أمام عالم يعيد تقديم أوراق اعتماد علاقاته الجديدة من جديد، برؤية جديدة القوة فيها ليست بالحجم بل بالقدرة على التغيير الحقيقي ضمن مفاهيم إنسانية جديدة، لا تذويب فيها للثقافات، ولا غطرسة، فهل ننجح بخوض هذا العالم الجديد بأقل الخسائر؟ 

وحتى لا نتوهم بخداع أنفسنا، التسونامي لا يزال مستمرا.