لقطة من خطاب حسن نصر الله الأخير
تناقضات كثيرة في خطابات حسن نصرالله

لم تدهشني مكابرة السيد نصرالله ولا تناقضات خطابه الأخير، إذ يقول حرفياً في نفس الجملة:

نريد رئيس قوي "يغطي المقاومة"، لا نريد رئيس جمهورية يحمي المقاومة. المقاومة في لبنان ليست بحاجة الى غطاء وليست بحاجة الى حماية"!!

يريد غطاء للمقاومة ولا يريد! والغطاء ليس حماية! انه التأكيد في معرض النفي.

على كل اعتدنا على تقلبات الخطاب وتناقضاته. وهذا يحيلنا إلى الحليف وانقلاباته التي لا تحصى. الحليف الذي فرضه نصرالله رئيساً بقوة التعطيل، ويعتبره مثال الأمانة والشجاعة: "فهذه المقاومة كانت آمنة الظهر 6 سنوات لأن في بعبدا رجلا شجاعا ما ببيع ولا بيشتري ولا بيطعن بالظهر". 

لن أعلق على الشجاعة لكثرة ما ذهبت مثلاً، لكن الصحيح أن من يُطعن في الظهر ليس حزب الله لكن الشعب اللبناني بأسره. أما فيما يتعلق بالبيع والشراء فربما لم تصل إلى اسماع نصرالله الفيديوهات المتداولة من أعضاء سابقين في التيار يشيرون الى حقائب أموال ايرانية كانت تصل إلى الرابية في صناديق الاغاثة. وإذا ساورنا الشك فليخبرنا السيد نصرالله من موّل السكن الذي انتقل اليه العماد عون ب 6 ملايين دولار ولماذا!! او ليستفسر عن مصدر ثروة الصهر الذي يقال انه اشترى نصف منطقة البترون؟

على كل لو أن السيد يهتم بالفساد والفاسدين لكان التفت إلى مصدر ثروات المحيطين به من كل حدب وصوب. ناهيك عن ثروات طبقة التعطيل التي يحميها برموش العين طالما تغطي سلاحه ومصدر رزقه. 

ولكان وفّر على نفسه تكرار اتهاماته لثوار 17 أكتوبر بالعمالة وبالتسبب بالانهيار، لو تنبّه ان الثورة اندلعت بسبب بوادر الانهيار والأزمة الاقتصادية وليس العكس. ولكان سأل نفسه من جعلنا بدون كهرباء بدل أن يتقبلها كمسلمة بديهية ويمنّن اللبنانيين بأنه لولا حصار الاميركيين والعقوبات وقانون قيصر لكان وفّر لهم 10 ساعات كهرباء بالمازوت الايراني!!

كأن طاعون الكهرباء المستعصي على الحلول منذ استلام صهر حليفه، الشجاع الذي لا يباع، واجب وطني. ولكان اعترف انه المسبب لعدم مساعدة دول العالم والدول العربية لنا، لأنه استعداها جميعها واعتدى على الكثير منها.
وهو عندما يتواضع وينفي تحكمه بلبنان من خلال عون، ويطالب برئيس توافقي، يترك لنواب حزبه مهمة التهديد "بالرئيس الذي نريد". 

هدف الحزب الحصول على ضمانات مطمئنة. ومن الذي سيؤمن له ضمانة "رئيس لا يأتمر بالقيادة الأميركية الوسطى"؟ سوى الشيطان الأكبر نفسه؟ على غرار ضمانه للترسيم! 

فعندما ينسب "شرف" الترسيم "للمقاومة"، ويخبرنا أن المسيّرات جاءت به، لا يشكل الأمر أكثر من دعاية قبلت بها إسرائيل وأميركا كي يجد غطاء وذريعة للحزب امام جمهوره لتغطية قبوله باتفاق تجاري وأمني مع اسرائيل وتهدئة الجبهة، نتيجة لصفقة سمحت لإيران تصدير براميل إضافية. وسبب كل ذلك الحرب الاوكرانية والحاجة الماسة للطاقة على ما اعترف السيد نفسه:" قال عملنا الاتفاق لتجنب الحرب لأن الادارة الاميركيه لديها أولويات مختلفة. لم يقبل الترسيم من قبل . مصلحته تطلبت الترسيم لكن حزب الله  حصل عليه بقوته!". 
فكيف يكون حصل عليه بقوته ما دام ان هذه مصلحة اميركا وهذا ما ارادته الآن فقط! 

إن الذي يقلق نصرالله، اعتراض اللبنانيين المتزايد للسياسات التي فرضها بقوة سلاحه وتسببت بالانهيار. لذا يشيطن ثورة أكتوبر ويعتبرها مؤامرة أميركية، على غرار المؤامرة الدائرة الآن في مدن إيران وشوارعها. 

أثار هذا الاتهام حفيظة النائب المهادن ابراهيم منيمنة فنطق متأخراً:" “من قوّض الدولة يا سيّد هو من استعمل سلاحه في الداخل وفي المنطقة، وهو من ترك الحدود سائبة، وهو من عطّل الاستحقاقات الدستورية من الانتخابات الرئاسية إلى تأليف الحكومات، وهو من حمى المصارف والفاسدين في الدولة. ومن قوّض الدولة يا سيّد هي معادلة سلاحكم مقابل فسادهم، وارتهانكم كلكن يعني كلكن لأجندات ومشاريع خارجية".

على قول المصريين: "كل ده كوم وافتتاحية خطابه كوم" في خطابه بمناسبة يوم الشهيد. ففي الوقت الذي قبل فيه الهدنة مع اسرائيل، بعد ان اوقف جميع الاعمال العدائية ضدها منذ صدور القرار 1701 عام 2006؛ نجد "شهداؤه" يموتون على أرض عربية يحارب فيها دفاعاً عن ايران ومصالحها. من سوريا الى اليمن مرورا بالعراق. 
ويفتخر بمصنعه لفبركة الشهداء ويشجع على استمراريته!!

أما عزاءه لأهالي الشهداء المفقودين فوعد بالبحث عن بقاياهم لإعادتهم؛ متباهياً انهم من كل المناطق والفئات والشرائح والعناوين والاعمار.. واغلبيتهم من الشباب طبعا. ولديه شهداء في الجو والبحر وفي البر.

"الملفت في شهدائنا، عندما نرى عائلات شهيدة اي الزوج والزوجة والاولاد، كامل العائلة ... او زوج وزوجة دون اولاد او اخ واخوة شهيدان 3 او 4 من بيت واحد.. كل الشباب في عائلة شهداء: بكونوا 3 بالبيت وكلهم شهداء ، 4 وكلهم شهداء. لكن ما اريد التوقف عنده : الابن والاب والجد. حالات عديدة، الشاب شهيد وابن شهيد وجده شهيد".
انها معركة الاجيال بالنسبة له، وهي نقطة القوة لانها ليست فقط "تاريخ شهداء وحاضر شهداء بل ومستقبل شهداء. نتحدث عن مقاومة مستمرة ونتحدث عن اجيال يواصل بعضهم مع بعض كتفا الى كتف، الاب والابن، الجد والحفيد ويسلم الشهيد الراية لابنه والابن للحفيد وهكذا".

قد يكون منطقه مقبولا بالنسبة للشبيبة الفلسطينية الذين يرزحون تحت الاحتلال. لكن ان يستمر في التشجيع على فبركة الشهداء في بلد منهار يهاجر شبابه أو ينتحر يأساً؟ بعد ان فقد قضيته وهادن العدو فأمر مستغرب حقاً!! أين سيجعلهم يستشهدون؟ وضد من يريد تعبئتهم؟
السؤال متى يقول له شيعته: يا سيد أمّن للبناني كرامة عيشه قبل ان تطلب منه كرامة موته.
يبقى خوفه على الشبيبة من التيه والمخدرات! بينما يحمي الحدود الفالتة مع سوريا لتهريب جميع انواع المخدرات بعد ان حوّلها النظام مصنعاً عالمياً للمخدرات.

وليطمئن، فأخلاقيات الجيل الثالث المعرّض لخطر ثقافة التفاهة والميوعة والانفلات الاخلاقي والتفكك الاسري، لم تستورد جميعها من الغرب اللعين! "فدود الخل منو وفيه" وهو أدرى بما يعنيه ذلك. إن أسباب الانهيار والتفكك والضياع وفرتها السلطة التي يحميها.

ومن يعاين الغرب عن قرب، فسيجد انه يتمتع بقيم وأخلاق أكثر مما ندعيه هنا. وان المواطن الغربي يعمل بجد ويتعب لتحصيل رزقه وانتاج جميع ما نستهلكه. ويسكن عموماً شققاً صغيرة ومتوسطة، وانه يهتم بالعائلة ويرعاها بإشراف حكومات تحميه وتحفظ حقوقه الاساسية وتوفر له رفاهية الصحة والطبابة والتمتع بالدفء والتعليم الجيد والعمل والشيخوخة المحتشمة. 

لكل مجتمع مثالبه، وله ثقافته وقيمه ايضاً. أما الترفيه عن النفس فتبعاً لتلك الثقافة والقيم، ولا ينبغي أن تكون موضع تشهير وذم عندما تختلف عن ثقافتنا وقيمنا. 
كفانا التشهير في العلن، في الوقت الذي نستجدي رضاهم في السر.
فحبذا لو أنتجنا نصف ما ينتجون، بدل طاحونة الموت التي نمجدها.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.