الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، والمرشد الأعلى، علي خامنئي. أرشيف
الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، والمرشد الأعلى، علي خامنئي. أرشيف

أصبح المشهد الإيراني الراهن يَشدّ انتباهَ المراقبين من شتى الاتجاهات الفكرية، فضلا عن ذوي الميول السياسية؛ ليقرأ كلٌّ منهم المشهدَ الساخن وِفْقَ رغباته وميوله وأمانيه؛ لا وفقَ ما ينطق به المشهدُ ذاته؛ وَعْدا أو وَعيدا. وما هذا إلا لاعتقاد كلِّ مراقبٍ/ كلِّ قارئٍ أن "رَغْبَنَة قراءته" في هذا الاتجاه أو في ذاك الاتجاه المعاكس؛ من شأنها أن تدفع الاحداثَ باتجاه ما يُحَقِّق الرغبات والأماني على مستوى الواقع.   

إن هذه القراءات الرغبوية هي ـ في تصوّر أصحابها؛ واعين أو غير واعين ـ قراءات تحفيزٍ وتأييدٍ ودعمٍ (للسلطة الإيرانية، أو ضدها: للمحتجين عليها)؛ لا قراءةَ فَهْمٍ، واسْتِبْصارٍ، واستشرافٍ للمستقبل القريب أو البعيد. فقبل أن يقرأ/ يرصد/ يُحلّل؛ نجده يُقرِّر: مع أو ضد، وعلى ضوء القرار يكون "التحليل".

وفي المقابل، وبدرجة ثانية/ تالية، فإن مَن يقرأ هذه القراءة/ الرصد/ التحليل، يكون قد حدّد موقفه سلفا: مع أو ضد. وفي الغالب، لا يقرأ القارئ هنا ـ قراءةَ قناعةٍ ـ إلا لأؤلئك الذين يوافقونه في الرغبات والأماني الحالمة، وقبل ذلك وبعده، في المُسْتَهْدَفِ الايديولوجي العام.  

نتقدم بهذا ابتداء؛ لأن "القراءات الرغبوية المُضَلِّلة" قد طغت على معظم المُقارَبات التحليلية لِمَشْهَد الاحتجاجات الغاضبة في إيران. ولهذا، بدل أن تكون هذه القراءات التحليلية توطئة للفهم، أصبحت رُكاما عبثيا لا ينتج إلا مزيدا من سوء الفهم. فنحن نجد الأحداثَ في هذه القراءات تُحال إلى غير دوافعها، ويُسْتهدف بها غير مُسْتَهدفَاتها، ويجري تهوينها أو تهويلها؛ وفق الرغبات والميول، لا وفق حقائقها؛ تلك الحقائق المعتبرة؛ سواء في "وقائعية الحدث" أو في "وَاقعِ وَعْي" المَعْنِيّين بها أساسا من جماهير الشعب الإيراني.

على أية حال، المشهد يحكي ـ بحياد موضوعي أولي ـ أن ثمة أحداثَ عُنْفٍ مُتَفرّقة: عنف سلطوي، وعنف جماهيري، وكلاهما عنف متصاعد في العموم؛ حتى وإن خضع لتموّجات انكفائية ظرفية في الزمان أو في الكان. وعلى اختلاف مستويات الاحتجاج وتنوعها، فإن المعنى المُشْتَرَك فيها أنها في مواجهة السلطة القائمة، وأنها حالة غضب شبه عام من سياسة النظام؛ تختلف في درجتها، وإن لم تختلف في يأسها من الإصلاح؛ حتى على يد دُعاة الإصلاح من داخل النظام (=التيار الإصلاحي داخل النظام الأصولي).

مع هذا، يبقى سؤال محوري هنا: هل هذه الاحتجاجات في منطقها العام (بعيدا عن الاستثناءات الهامشية) تُطالِب بـ"التغيير/ الإصلاح" من داخل النظام، أم هي تطالب بتغيير النظام ذاته؛ كشرط أولي/ أساسي للإصلاح؟

ثم إذا كان الإصلاح المستهدف بهذه الاحتجاجات (على افتراض تبلور معظمها في رؤية شبه مُوحَّدة) هو تغيير النظام ذاته ابتداء؛ فما هي حدود هذا التغيير؟ هل هو تغيير "الأشخاص" المتنفذين القائمين عليه؟ وفي حال تغييرهم؛ هل يجري استبدالهم بغيرهم من الايديولوجيا ذاتها أم من غيرها؛ مما هو قريب أم مما هو بعيد منها؟ وفي حال كان منها؛ فما حدود الاختلاف مع الأشخاص السابقين؟ وفي حال كان من غيرها؛ فما هي حدود الاختلاف معها/ مع الايديولوجيا؟ ثم، في حدود هذا التغيير المأمول أو ذاك؛ كيف يُمكن أن يشتغل "التغيير المستهدف"؛ مع بقاء الهياكل التنظيمية والتشريعية على ما هي عليه؟ 

أما في حال استهداف تغيير النظام من أساسه، بهياكله التنظيمية والتشريعية وبمنحاه الايديولوجي العام؛ فإلى أي مدى/ أي عمق سيكون الاجتثاث؟ طبعا، على اعتبار أن كل مستويات الاجتثاث ممكنة واقعيا/ عمليا، وأنها لن تُواجِها أشرس القوى المضادة بمستوى تصميمها، وربما بما هو أكثر، وبقدرات أعلى، أي بقدرات متنوعة (معنوية ومادية) تراكمت للحساب النظام القائم على مدى خمسة وثلاثين عاما!

إذن، مستويات الاحتجاج ـ على افتراض توحّد الرؤية فيها نسبيا ـ درجات، وأيضا مستهدفاته درجات. وفي حال التوافق على إسقاط النظام، فإن هذا "الإسقاط" درجات أيضا؛ يصعب، بل يستحيل التوافق عليها في صفوف المحتجين الغاضبين المنتمين إلى تيارات وجماعات ومذاهب وأعراق متنوعة، بل ومختلفة ـ فيما بينها ـ كثيرا. وبالتالي، فإن عدم وضوح الرؤية (عدم توحّدها النسبي) يجعل من خيارات التغيير ـ بكل مستوياتها الحادّة ـ خياراتٍ غيرَ واقعية، وتحديدا تلك الخيارات التي تتغيا ـ بمجملها ـ إجراء مُتَحَوِّلٍ نَوْعي على النظام؛ بنقله من هويته الثيوقراطية الصريحة إلى مسارات الفضاء العلماني الصريح. 

مع هذا، إذا كان ضغطُ الغضب الجماهيري الواسع سيدفع النظام الثيوقراطي الحاكم باتجاه إصلاحات ذات بُعد تصالحي ـ وإن لم يكن صريحا في الغالب ـ مع الحداثة، فالمتوقع أن تكون هذه الإصلاحات ـ في تخطيط عَرَّابيها ـ داعمةً لتثبيت قواعد النظام في مستوى آليات التحكّم الخشنة، في الوقت نفسه الذي تُظْهِر فيه قَدْرًا مَحْسُوبا من الانفتاح.  

وهنا تأتي الأسئلة الإشكالية أو المُؤَشْكَلة: هل هذا الانفتاح النسبي المتوقّع (= الإصلاحات الداعمة لتثبيت قواعد النظام)، يعني ـ من جملة ما يعني ـ سقوط النظام الثيوقراطي بدرجة ما؟ أي التنازل عن جوهر المشروع الذي نهضت عليه مشروعية النظام أساسا؛ لصالح بقاء القائمين كأمناء روحانيين على استمرارية المشروع؟ ألا يعني هذا الدخول في دور عبثي؛ تنتهي مُتَتالياته ـ لا محالة ـ بالإعلان على "فشل التجربة الأصولية" صراحة أو ضمنا؟

وهل هذا الفشل هو ذات "سقوط النظام" الذي يُراهِن عليه المحتجون أو ـ على الأقل ـ يراهن عليه غالبية المُحْتجّين على النظام؟ 

بلا شك، هناك مقومات داعمة للصمود، كما أن هناك مقومات داعمة للسقوط. وبالنسبة لمقومات السقوط بالمستوى المذكور آنفا، فإنها ترجع ـ في تصوري ـ إلى أربعة أنواع:

1ـ فشل الايديولوجيا الدينية (= الإسلام السياسي عامة) في تحقيق وعودها. فإذا كانت حقّقت بعض النجاحات في بعض الأماكن، فليست بالحد الأدنى من المقبول به في سياق الوعد الحضاري الذي راهنت عليه، أو أن الوفاء للايديولوجيا ليس مُتَحقِّقا فيها بالحد الأدنى المقبول به في سياق الصراع الهوياتي (والذي هو في جوهره ديني) بين ثنائية: الأصالة والمعاصرة.

2ـ الطبقات الاجتماعية المُهَمَّشَة أو المُتَهَمِّشَة. فإذا كانت مشاريع النظام قد نهضت بعشرات الملايين من مستنقع العطالة المادية أو المعنوية، فإنها أيضا قد فشلت في النهوض بعشرات الملايين. ولهذا تفاصيل وهوامش ليس هذا مجال مناقشتها وتحقيقها.

3ـ الرتابة والملل. فالنظام الإيراني بعد عَشْرِيّة الثورة المُتْخمة بالوعود الكبرى/ اللاواقعية، دخل ـ وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عاما ـ في حالة ركود رتيب، عاجز عن مواصلة الثورة، وعاجز أيضا عن الوفاء لاستحقاقات الاستقرار في مجال التنمية خصوصا، وكأنه قد أصبح لا يطمح بأكثر من تماسكه كنظام حاكم؛ في صراعه المحلي والإقليمي والدولي.

4ـ الحريات العامة المقموعة. وهذا أخطر المقومات المُحَفِّزة للسقوط في  الاحتجاجات الراهنة. وما رمزية نزع الحجاب هنا إلا إشارة لمحورية أسئلة الحرية في مثل هذه الاحتجاجات. فالتأطير الديني المُمْتَد لأكثر من أربعين عاما، والمُنْتَظم لمجمل الأنظمة العامة المتعلقة بالحريات الشخصية، خلقت حالة نفور مُتَصَاعِد عند الأغلبية، خاصة من الشباب الذكي الإيراني المنفتح ـ إعلاميا وتواصليا ـ مع العالم.

هذه هي أهم "مُقَوِّمات السقوط" في تصوري. وأما "مُقَوّمات الصمود" فهي موضوع المقال القادم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.