بايدن وترامب مناظرة
الرئيس السابق والحالي قد يتنافسان ثانية العام القادم

للمرة الثالثة على التوالي، يعتزم دونالد ترامب، دخول السباق الرئاسي الى البيت الأبيض، وهذه المرة لم يخف استعجاله حين أعلن عن نيته قبل سنتين كاملتين من يوم الاقتراع. النكسة الانتخابية الكبيرة التي مني بها في الانتخابات النصفية  الأخيرة حين تساقط مرشحيه الذين انتقاهم وتبناهم الواحد تلو الآخر لم تمنعه من الادعاء بأنه المرشح الوحيد القادر على استعادة البيت الأبيض للحزب الجمهوري. التحقيقات القضائية التي يواجهها على المستويين الفدرالي والمحلي، والتي دفعت بوزير العدل ميريك غارلند قبل أيام إلى تعيين محقق خاص للإشراف على تحقيقات الوزارة، لم تثنيه عن المجازفة بحرق جسوره مع اقطاب حزبه بمن فيهم أولئك الذين وقفوا بجانبه وأيدوه سياسيا وماليا. 

جاء إعلان ترامب في أسبوع حفل بتحولات سياسية وانتخابية من أبرزها قرار رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عدم الترشح لقيادة  الحزب الديموقراطي في المجلس الجديد الذي سيسيطر عليه الجمهوريون بأكثرية ضئيلة، ما أدى إلى تنحي القيادة الديموقراطية المسنّة ( بيلوسي، 82 عاما، وزعيم الأغلبية الديمقراطية ستيني هوير 83 عاما، ومسؤول الانضباط الحزبي  جيمس كلايبرن 82 عاما) حيث من المتوقع أن يخلف بيلوسي النائب حكيم جيفريز البالغ من العمر 52 عاما، مع طاقم قيادي شاب نسبيا.  

اعلان ترامب  (البالغ من العمر 76 عاما) عن ترشحه جاء قبل أيام من احتفال الرئيس جوزف بايدن بعيد ميلاده الثمانين، حيث اصبح بذلك أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يصل الى هذا العمر المتقدم وهو لا يزال في البيت الأبيض. زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب الحالي، كيفين ماكارثي، والذي من المرجح أن ينتخب رئيسا لمجلس النواب الجمهوري الجديد هو في السابعة الخمسين من عمره. ولكن زعيم الاقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ السناتور ميتش ماكونال هو في الثمانين من عمره. وهناك وضع مماثل إلى حد ما في قيادة الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ، ما يعني ان قادة الحزبين في مجلس الشيوخ هم اما في السبعينات ام الثمانينات من اعمارهم. 

الرئيس بايدن يكرر القول أنه "يعتزم" التجديد لنفسه لولاية ثانية، ويعتقد ان دخول ترامب السباق الرئاسي في هذا الوقت المبكر، سوف يشجع بايدن على حسم أمره في الاشهر الاولى من السنة الجديدة والاعلان عن ترشحه لولاية ثانية على الرغم من انه سيكون في الثانية والثمانين في عمره اذا فاز بالرئاسة مرة ثانية في 2024. الرئيس بايدن يقول، أنه المرشح الديمقراطي المؤهل أكثر من غيره لهزيمة ترامب مرة ثانية. وحتى أولئك الديمقراطيون الكثر الذي يقولون انهم لا يؤيدون من الناحية المبدئية ترشح بايدن لولاية ثانية، يوافقون معه على أنه قادر  أكثر من أي مرشح ديمقراطي آخر على ابقاء ترامب خارج البيت الابيض. وتبين مختلف استطلاعات الرأي ان أكثرية الديمقراطيين، وخاصة الشباب منهم لا يريدون ان يترشح بايدن لولاية ثانية، كما تؤكد استطلاعات الرأي ان أكثرية الناخبين الاميركيين من ديمقراطيين وجمهوريين ومستقلين لا يريدون ان يواجهوا سباقا رئاسيا بين مرشحين اذا كان اسمهما : جوزف بايدن ودونالد ترامب.  

وهناك قلق في الاوساط السياسية والاقتصادية والاكاديمية من احتمال اعادة انتخاب بايدن او ترامب لان كلاهما سوف يكون عاجزا عن الالمام بمجمل التحديات العلمية والتقنية والالكترونية وما يعرف باسم "الذكاء الاصطناعي" والمتغيرات التي جلبتها وسائل الاتصال الاجتماعي  ودور العملات الرقمية cryptocurrencies في الأسواق المالية والتي أصبحت كلها في جوهر التنافس الاقتصادي العالمي. 

واذا ترشح بايدن لولاية ثانية، سوف يكون من الصعب جدا ان يتحداه سياسي ديمقراطي شاب .تقليديا لا يواجه الرئيس الذي يرغب بالتجديد لنفسه تحديا من داخل حزبه، وفي الحالتين الاستثنائيتين في نصف القرن الماضي، اخفق السياسي الطموح في انتزاع ترشيح الحزب من الرئيس، كما اخفق الرئيس في التجديد لنفسه. وهذا ما حدث حين تحدى رونالد ريغان الرئيس جيرالد فورد للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري في 1976، فاخفق ريغان، وخسر فورد السباق لصالح الديمقراطي جيمي كارتر. وفي 1980، حين قرر السناتور ادوارد كينيدي تحدي الرئيس كارتر للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة بدلا من كارتر، أخفق في سعيه هذا، وساهم الى حد كبير في خسارة الرئيس كارتر لمعركة التجديد لنفسه لولاية ثانية على يد المرشح الجمهوري رونالد ريغان. 

ولكن ترشح ترامب للرئاسة هذه المرة يأتي في أعقاب نكسات انتخابية ( في 2018 و2020 و2021) وتحديات قضائية، ما أدى إلى انحسار ملحوظ في شعبيته ومكانته داخل حزبه، على الرغم من أنه لا يزال يتمتع بتأييد شريحة من الجمهوريين سوف تبقى معه حتى ولو أوصلته مشاكله القانونية الى السجن. وفي أي مواجهة محتملة مع بايدن، يمكن القول – في هذا الوقت على الاقل – أن نتائج الانتخابات النصفية عززت من مكانة بايدن داخل حزبه، بينما أضعفت هذه النتائج ترامب داخل حزبه، وخلقت جوقة من الاصوات المتنامية التي تصدح ضده وتحذر من خطأ المراهنة عليه مرة أخرى. 

حتى الآن هناك طامحون جمهوريون كثر بالرئاسة ولكن طموحهم صامت لأنهم لا يريدون أن يشرقوا بشكل مبكر وان يجازفوا بالأفول السريع . كما ان هؤلاء المرشحين المحتملين يدركون ان دخولهم بشكل جماعي في السباق سوف يعني تكرار التجربة التي مر بها الحزب الجمهوري في موسم انتخابات 2016 حين نجح ترامب في اصطيادهم الواحد تلو الآخر مستندا على قاعدته الصغيرة عدديا ولكن ذات الولاء المطلق. ولذلك إذا وجدنا في نهاية السنة المقبلة عدّائين جمهوريين عديدين في السباق إلى البيت الأبيض فان ذلك يمكن أن يصب في مصلحة ترامب كما حدث في 2016 حين استنزف المرشحون بعضهم البعض، ولم يبرز أي منهم كمنافس قوي قادر على تخطي ترامب. 

هذا المشهد الانتخابي الجمهوري الراهن، يمكن أن يتغير إذا سعى بعض قادة الحزب من المناوئين لترامب، وخاصة في الكونغرس وفي أوساط ممولي الحزب الجمهوري إلى وضع ثقلهم المالي والسياسي في وقت مبكر وراء أحد المرشحين لقطع الطريق على الاخرين، عندها يمكن للحزب تفادي تكرار تجربة 2016. وتتركز أنظار الفعاليات الجمهورية التي تريد احالة ترامب على التقاعد المبكر على ما يعتبره هؤلاء النجم الصاعد في الحزب الجمهوري أي حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس الذي جدد لنفسه لولاية ثانية بنسبة عالية من الاصوات والذي يعتبره مؤيدوه من قماشة ترامب ولكن دون أعباء ومشاكل وفضائح ترامب.  

وسارع ترامب الذي يدرك ما يدبر ضده الى اطلاق سهامه السامة ضد ديسانتيس الذي يراه خصمه المحتمل والاكثر قوة، لأنه قادر على ان يجّند القوى المناوئة له، ولأنه حاكم لإحدى أهم الولايات في الانتخابات الرئاسية، وهي ايضا الولاية التي يقيم فيها ترامب . حتى الان تفادى ديسانتيس الرد المباشر على انتقادات ترامب، ويعتقد انه سيواصل هذا النهج على الاقل في المستقبل المنظور.  

ومنذ الأداء السيء للمرشحين الذين أيدهم ترامب في الانتخابات النصفية تركزت معظم الانتقادات الموجهة للرئيس السابق على الانتقادات غير المباشرة او الخجولة، وان عبّر بعض القياديين والمسؤولين الجمهوريين السابقين عن انتقاداتهم بشكل مباشر وقوي ولاذع. ولكن اذا ترددت معظم قيادات الحزب الجمهوري في السعي لاستئصال ترامب من الجسم السياسي للحزب، كما ترددوا وأخطأوا في اعقاب اقتحام مبنى الكابيتول قبل سنتين، فإنهم سيجازفون مرة أخرى في إعطاء ترامب فرصة أخرى للهيمنة من جديد على الحزب، مع ما سيعنيه ذلك من اخطار جسيمة ليس فقط على الجمهوريين، ولكن أيضا على البلاد. 

تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية سنتين كاملتين، وما يمكن ان يحدث خلال هذه الفترة الطويلة من المستحيل تصوره او توقعه بأي درجة من اليقين. ولا أحد يمكن ان يتكهن بأي ثقة ما الذي سيواجهه  ترامب قانونيا ان كان في المحاكم الفدرالية، بسبب دوره في اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير – كانون الثاني 2021 ومحاولاته قلب نتائج الانتخابات أو اخفائه لوثائق سرية تملكها الدولة ونقلها بشكل غير قانوني الى مقره في فلوريدا، أم ما سيواجهه في التحقيق الجنائي ضده في ولاية جورجيا بتهم الضغط على المسؤولين عن الانتخابات ومحاولته تغيير نتائج التصويت في الولاية خلال انتخابات 2020. 

يحلو للمحللين القول انه خلال الموسم الانتخابي الاميركي الطويل يمكن ان يتحول أسبوع واحد الى أبدية. ما هو واضح الان هو ان السباق الى البيت الابيض قد بدأ رسميا بشكل مبكر جدا، وان احد المرشحين الجمهوريين هو رئيس سابق في السادسة والسبعين من عمره ومهدد قانونيا وتقف ورائه قاعدة انتخابية صغيرة نسبيا ولكن متفانية في دعمه، أما المرشح الديمقراطي الذي وضع قدمه الأولى في السباق فهو الرئيس بايدن الذي احتفل يوم الأحد بعيده الثمانين. وفي الأشهر القليلة المقبلة، وقبل دخول المرشحين الجمهوريين الآخرين في السباق، سوف نرى رئيسان يسعيان لولاية ثانية، أحدهما  في منتصف السبعينات من عمره،  والآخر في بداية عقده التاسع يخوضان مرة اخرى معركة انتخابية ضارية على الرغم من ان أكثرية الناخبين لا تريد أن ترى هذا المشهد مرة أخرى. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.