البرلمان السويدي
البرلمان السويدي أقر مؤخرا تعديلا مسمى "تشديد إجراءات مكافحة الإرهاب"

ليس من برلماني سويدي واحد، إلا ويعرف أن "التعديل الدستوري" الذي أقروه مؤخرا، شبه مُجمعين، والمسمى "تشديد إجراءات مكافحة الإرهاب"، أنه لا يستهدف أي تنظيم أو جماعة "إرهابية"، كما يُدعى ويُحاول أن يُروج، إنما يتقصد المجتمع والأحزاب وكامل المشروع السياسي الكردي، في تركيا وسوريا وباقي بلدان المنطقة، قبولا وخضوعا للفروض التركية، التي تعتبر ذلك شرطا للموافقة على عضوية دولة السويد لحلف الناتو.

بهذا المعنى، فإن برلمان الدولة التي تعتبر نفسها معنية بشكل مباشر وتفصيلي في "المعركة العالمية في مواجهة التطرف والعنف"، إنما يقر ويكشف واحدا من أهم أوجه العلاقة الانتهازية لهذا "العالم الغربي" بالكتلة السكانية الشريكة في هذه "المعركة"، أي الأكراد: الذين هُم شركاء مُرحب بهم حينما يكونون مجرد كتلة من المقاتلين المنذورين للانخراط في أعتى المعارك وخسارة آلاف الضحايا، لكنهم بالمقابل، ككتلة سكانية وجغرافية وحقوقية وإنسانية، مجهزون للمقايضة والتخلي والبيع، لو كانت أصغر مصالح وحسابات ذلك "العالم الغربي" تقتضي ذلك. وحتى لو كان ذلك التخلي لصالح ووفق حسابات الدولة التي تُعتبر في الدفة الأخرى لمواجهة التطرف العالمي.

لا ينحصر منطق العلاقة هذه على دولة السويد فحسب، فغيرها الكثير، بما في ذلك أكثر دول المنظومة الغربية شكيمة، كانت مستعدة لأشياء من مثل تلك، وما تزال، وحسب نفس آلية التفكير والمنطق السياسي. الذي يتجاوز السياسة ليكون نوعا من البنية العقلية والمنطقية التحتية لهذه المنظومة العالمية. إذ ثمة على الدوام نوع وخاذ من البرغماتية الباردة، النابعة من شيء غير قليل من الشعور بالتفوق وعدم جدارة وأهمية الآخر، حتى لو كان "شريكاً". 
يقال ذلك، وفي البال حوادث ونماذج سياسية تاريخية تكاد لا تُحصى. حيث في كل واحدة منها، تعرضت المجتمعات والتنظيمات والحقوق السياسية الكردية إلى نكسة كُبرى، بعد أن تُخلص منها فجأة، من قِبل دول منظومة الأقوياء تلك. 

بمستوى أعمق، لا يتعلق الأمر بالأكراد فحسب، حتى لا يُقال إنه ثمة مناهضة ثقافية أو عرقية غربية ما لهم كجماعة بذاتها، بل يتجاوزهم الأمر، ليكون نوعاً من الفاعلية الخاصة التي تمارسها دول هذه المنظومة مع طيف واسع من التكوينات العرقية والسياسية الأقل قابلية على حماية ذاتها، وعلى مستوى العالم. إذ تعاني جمعيا من ذلك النوع من المعاملة، عبر ثنائية الرعاية والشراكة وقت الحاجة، ومن ثم التخلي والنكران بعد حين، بناء على حسابات سياسية رياضية باردة محضة فحسب.

لهذه الآلية من المنطق السياسي الغربي أساس أولي، يعود إلى السنوات التأسيسية للكيانات الحديثة في منطقتنا، حينما كانت دول المنظومة الغربية/الإمبراطورية وقتئذ، قد خاضت نقاشاً سياسياً استراتيجياً خلال عقد كامل (1913-1923)، بشأن تركيب الكيانات الجديدة بعد عصر الإمبراطوريتين العثمانية والقاجارية.

وقتئذ، سقطت الجماعات الأهلية والعرقية من الحسابات تلك، وصارت دول تلك المنظومة تسعى لصناعة كيانات مركبة لكن مركزية، مملوكة ومحكومة من التكوينات الرئيسية التي كانت في تلكم الإمبراطوريتين الشرقيتين، وحسب ولاياتها ومراكز القوة داخلها. 

حسب ذلك، سقطت جماعات أهلية كبرى، كالأرمن والسريان واليونان والأكراد والأمازيغ والأذر في مصيدة فروق العملة والمساومات داخل لعبة الأمم، وبقيت تدفع أثمانا باهظة داخل بلدانها جراء ذلك. في نفس الوقت الذي كانت دول المنظومة العالمية/الغربية ترعى تلك الدول وتمتن هياكلها الدولتية، التي كانت تقسر وتعنف ما بقي من هذه الجماعات الأهلية.

لا يُقصد بالأمر رجم البنية السياسية لطريقة تعامل الغرب/المركز العالمي مع هذه الجماعات الأهلية، التي ينبع منها ذلك النوع من السلوك السياسي، بل الكشف والإشارة إلى نوعية من التناقضات الداخلية لتلك المنظومة الغربية، التي حاولت طمسها وتغيير ملامحها طوال تاريخ مديد من نشر وترويج أدلجة وخطاب مؤازرة الحرية والديمقراطية على مستوى العالم. من أن طرح الرئيس الأميركي، وودرو ويلسون، مبادئه الأربعة عشر قبل أكثر من قرنٍ من الآن، وحاولت آلة دعائية كبرى ما، أن توحي بأنها أنما "مبادئ الغرب" في علاقته مع مستضعفي العالم. 

إذ لا قيمة سياسية وإيديولوجية وثقافية وإنسانية مضافة لهذه المنظومة العالمية الغربية/الديمقراطية، مقارنة حتى بالنزعات العالمية الأخرى، الروسية الصينية اليسارية والإسلامية. ففي المحصلة، تبدو خطابات مؤازرة الحرية ودعم الديمقراطية من قِبل هذا الهيكل الغربي مجرد أداة وظيفية، لا تعني شيئاً غالباً على أرض الواقع. فالحرية وحق الجماعات في تحديد مصيرها والنزوع نحو حماية المستضعفين غير مأخوذة في أية حسابات، التي غالباً ما تجري حسب آليات أخرى تماماً. 

كذلك فإن الأمر يكشف المستوى الموضوعي لملف "مواجهة التطرف"، باعتباره مسألة أمنية وسياسية بالنسبة لهذه القوى الغربية، من دون أية علاقة بالجوانب الثقافية والوجدانية والروحية والأخلاقية لهذه المعضلة الكونية، النابعة بذاتها من جذور ثقافية وروحية وأخلاقية. 

فالذين كانوا شركاء في مواجهة هذه المهمة، التي من المفترض أن تكون كونية الهوية وأخلاقية التكوين، أي الأكراد، تم تركهم لمصائرهم البائسة، يشبهون الجماعات والأمم التي انخرطت في مهام كونية نظيرة من قبل، في مواجهة النازية أو الإمبراطورية العثمانية، الذين واجهوا من قبل ما يجربه الأكراد راهنا. ففي كل مرة، ثمة شح كبير في مصداقية الشريك الأكبر، الذي يوحي وكأن تلك المعارك والمواجهة الكبرى كونية الهوية وأخلاقية المنشأ، ليحدث ما هو عكس ذلك تماما فيما بعد.

أخيرا، فإن مثل هذه السلوكيات، إنما على نوعية المفاضلة السياسية الكبرى لقوى المنظومة الغربية في السياسة العالمية. إذ ثمة نزوع واضح لمراضاة وتحقيق مصالح الدول والجماعات "القوية" على مستوى أقاليم العالم، تفضيلها واستحسان شراكتها، على حِساب أيا كان. حيث أن هذا النوع من المفاضلة، إنما هو منبع وجوهر الحركات السياسية والإيديولوجية المناهضة لهذا الغرب، من يسارية وإسلامية، مرورا بما يناظرها من أناركية وقومية فاشية.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.