الوقاحة ممكنة لأن الطبقة الحاكمة مطمئنة إلى أنها لا تزال تحظى بولاء واسع على مدى المجتمع اللبناني
الوقاحة ممكنة لأن الطبقة الحاكمة مطمئنة إلى أنها لا تزال تحظى بولاء واسع على مدى المجتمع اللبناني

وقاحة، بل قباحة، أن يكون قد مضت ثلاثة أعوام ويزيد، على انكشاف أسوأ أزمة عاشها لبنان في تاريخه، بل إحدى أخطر الأزمات التي واجهها أي وطن على الإطلاق على مدى التاريخ الحديث، دون أن تضع أية جهة يفترض أن تكون مسؤولة حلاً موضع التنفيذ.

لا الرئاسة المنقضية للجمهورية والتي وعدت اللبنانيين بجهنّم وأوفت بالوعد على مدى عهدها البائس الفائت. ولا رئاسة مجلس الوزراء التي تعاقب عليها منذ الانكشاف المنشغلون بالبلل والغافلون عن الغرق، ليفرض السؤال نفسه، أهي غفلة جهل، مدعاة ازدراء وخلع، أو تجاهل متعمد، دعوى سخط واقتصاص؟ بل وصل عبث أعبث رؤساء الوزراء هؤلاء إلى السعي علناً إلى تقويض الانتخابات لإظهار حجمه، وقد ظهر حجمه بالفعل، على خلاف أوهامه بالعظمة. ولا رئاسة مجلس النواب، العصيّة عن التداول، حيث الخبز اليومي، أي في الأيام التي يؤذن فيها أن يجتمع المجلس الموقّر، إدارة المناكفات بين الخصوم المتوافقين، في زلاتهم وشطحاتهم وسقطاتهم الكلامية والأخلاقية، وتأنيبهم وتأديبهم بأسلوب ومضمون يحاكيان الموضوع.

الوقاحة ممكنة لأن الطبقة الحاكمة مطمئنة إلى أنها لا تزال تحظى بولاء واسع على مدى المجتمع اللبناني. المواطنون اللبنانيون مجمعون نظرياً بحكم الواقع الجلي، على أن النظام القائم منخور بالفساد حتى العظم، وأن الغالبية العظمى من السياسيين والمسؤولين فيه متورطون بنهب الدولة واستباحة مواردها. خلاف اللبنانيين الطفيف الظريف هو على تلك القلة القليلة النادرة ضمن الطبقة السياسية والتي يمكن استثناءها من هذا الإجمال. جلّ المواطنين يستثنون من يخصّهم، ليس لأنهم يبرئونه من الفساد، بل لأنهم يعذرونه بالرغم من الفساد، لما يمرّره لهم من فوائد وإن كانت فتات، أو نكاية وحسب بسائر العصبيات. ولكل مسؤول بالتالي من يستثنيه، ليبقى الجميع متوازنين في مواقعهم، وإن بهشاشة، أثبتوا قدرتهم على التعايش معها، بل الإبداع في الاستفادة منها للمزيد من الاغتراف.

والوقاحة ممكنة لأن أولوية المؤسسات الدولية، في نطاق صلاحيتها، هي إيجاد الحل الممكن وإن لم يكن الأمثل. صندوق النقد الدولي طالب الدولة اللبنانية بإصلاحات لتوفير القروض التي تحتاجها لتأمين قدر من الاستمرارية الإدارية والاقتصادية. تخلّف الطبقة السياسية عن تحقيق هذه الإصلاحات، والتي تقتضي أغلاق أبواب عدّة من الدخل غير المشروع، مبني على القناعة بأن الانتظار من شأنه إرغام الصندوق الدولي على أقدار من التراجع. فالتسويف والتأجيل والتخلف عن تنفيذ المطلوب مع الزعم السافر في نفاقه لحسن النوايا قد تكرر مرّات عدة، ومكّن الطبقة السياسية تحقيق الثراء تلو الثراء في أيام العزّ اللبنانية، فكيف لا يكون الأمر كذلك اليوم والكارثة قد ألمت بالمواطنين اللبنانيين التعساء؟ هل يريد الإداريون في مركز صندوق النقد الدولي في واشنطن أن يتحملوا وزر المأساة المستفحلة؟ رهان المنظومة المستأثرة بلبنان أنهم لن يفعلوا، ولو تأخروا.

ثلاثة أعوام تكشف أن هذه المنظومة، أي هذا اللقاء الوفاقي بين طبقة الزعامات السياسية الناهبة وحزب السلاح التابع لإيران والذي يمكنّها، قد تمكنت من إيجاد الصيغة للمحافظة على النظام القائم. أي أنها انتصرت.

ولكنه انتصار مؤقت سائر إلى النفاذ، لا بحكم أن الصيغة الجديدة هزيلة بنيوياً وذات صلاحية محدودة زمنياً، بل هي تزداد استقراراً وثباتاً وفعالية مع مرور الوقت، بل لأن مادة الاستغلال، أي المجتمع اللبناني يُستنزف إلى الموت.

ثمة تشبيه يستحق التكرار، وهو أن الفساد أشبه باستغلال البقرة الحلوب. فالفساد "المستدام"، وهو الحاصل في معظم دول العالم، يقابله رعاية البقرة كما يجب، صحة وعلفاً، والاحتفاظ خلسة بقدر من الحليب الناتج عنها قبل توزيعه على مستحقيه. قد يشحّ انتاج البقرة من الحليب، أو قد يزداد جشع الفاسدين، فيحتفظون بأكيال من الحليب تحرم المستحقين من الحد الأدنى من حاجاتهم، فيكون التذمر والاعتراض، وربما الثورة. وقد يصل الطمع والجشع لدى الفاسدين، كما هو الحال في لبنان، إلى حد أن كل حليب البقرة لا يفي الغرض، فتأخذهم الجرأة إلى استنزاف دمها للاستفادة منه. هو منحى قاصر النظر، أو ربما منحى يقرّر أن فعل الفساد لن يدوم طويلاً والأصح بالتالي اغتنام كل ما أمكن للتوّ، ذلك أن البقرة إذ تستنزف ليست فقط أقل درّاً للحليب، ولكنها سائرة إلى الموت في المستقبل القريب.

لبنان، في ظل واقع الاستنزاف القائم، إن لم يجرِ اعتراض مسار الإماتة المتحقق، يسير إلى نهاية مؤكدة.

ماذا بعد انهيار الخدمات العامة، والإفقار، والدمار؟ ربما أخطر من هذا كلّه هو تبديل لبنان سكانياً واجتماعياً وثقافيا. وليس الكلام هنا من باب المبالغة على الإطلاق. لبنان قد خسر للتوّ شرائح اجتماعية كاملة.

الطبقة الوسطى هي معقل الإبداع والإنجاز في كل مجتمع، حيث لديها أكثر مما تحتاجه للبقاء، أي أن انشغالها لا ينحصر بالمتطلبات الأساسية، ولكنها أقل رخاءً وثراءً من أن ترحل إلى ربوع أكثر إثارة أو أن تقتصر على الاستهلاك وتمتنع عن الاندفاع قدماً. الطبقة الوسطى في لبنان قد تعرضت للإنهاك والإضعاف والإذلال، ما دفع القادر منها إلى الرحيل وإن بتخفيض الطموح والتوقعات، وما أسقط من لم يتمكن من النجاة بالسفر إلى الانحدار إلى حالة المنشغل بالهمّ الحياتي، أي من موقعه السابق ضمن الطبقة الوسطى، إلى الشرائح الاقتصادية الفقيرة ذات العوز والحاجة.

المهنيون، المتعلمون، القادرون، أصحاب الكفاءة التي يمكن تسويقها في الخارج يرحلون، بمئات الآلاف. في المقابل، وعلى مدى العقد الماضي توافد واستقر في لبنان مئات آلاف أخرى من السوريين وغيرهم. صغارهم لم يعرفوا وطناً غير لبنان، ومن الصعب استشفاف مستقبل يعود فيه جميع هؤلاء أو جلّهم إلى ديارهم، ولا سيما مع التعويم الذي أنجزته روسيا وإيران لنظام القتل في دمشق، ومع التهديم الممنهج للعديد من القرى والبلدات السورية بفعل جرائم النظام ومحركيه من جهة، وشناعات الحركات الجهادية العالمية والمحلية وداعميها في السر والعلن من جهة أخرى.

التبدلات السكانية هي فعل مستمر على مدى الزمان والمكان الإنسانيين. دور مؤسسات الحكم في كل دولة أن تضمن سلاسة هذه التحولات وانسجامها مع المصلحة المحلية في الاستقرار والتنمية. أي أن تضبط الهجرة الوافدة وتمنع تفاقمها حين تتجاوز حد الاستيعاب المفيد، وأن تعقلن الهجرة الخارجة وتعمل على إبطائها إذا كان فيها هدراً للطاقات الوطنية، وأن تحقق أسباب العودة لمن يحتاجه المجتمع من المهاجرين.

لا يمكن التعويل على المنظومة الحاكمة في لبنان أن تبذل أي جهد فعلي في هذه الاتجاهات، إلا من باب المزايدات الكلامية والشحن الطائفي للأغراض الآنية، رغم أن حجم التبدل السكاني والاجتماعي والثقافي، في ثنائية الخروج والدخول دون ضوابط، قد بلغ درجات مرتفعة في العديد من الأوساط والقطاعات. بل إن هذا التبدل يصبّ في مصلحة المنظومة، حتى دون الغوص في تكهنات مسؤوليات مباشرة لها فيه. حيث إن المعارضة للزعامات المستتبة تأتي تحديداً من الطبقة الوسطى، وأن المحتاج اقتصادياً أكثر قابلية للولاء، وكذلك أن وجود السوريين يساهم بشد العصب الطائفي، والطبقي والمناطقي.

تآكل الطبقة الوسطى القديمة ورحيلها يفتح المجال أمام صعود بدائل. التركيبة المجتمعية والطائفية للطبقة الوسطى القديمة شهدت بذاتها التبدلات على مدى عقود طويلة، مع فرص مستجدة لأهالي الأرياف في الانتقال إلى المدن، والاستفادة من نجاحاتهم في الخارج لتعزيز مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في لبنان.

ثمة ظاهرة إضافية هنا تستحق النظر والمتابعة بشكل علمي منهجي ليس هذا مكانه، وهي البروز إلى حد الغلبة للبنانيين من خلفيات شيعية في المشهد الثقافي اللبناني، على اختلاف تجلياته الفكرية والفنية والجامعية والبحثية، بمكاسب نسبية وتدريجية إزاء ما كان ثابتاً ومتحققاً في أجيال ماضية من حضور مسيحي مهيمن. ولا تبدو هذه الظاهرة متجانسة مع تعزيز "حزب الله" لقوته في لبنان، بل العكس هو الصحيح، أي أن هذه الظاهرة شكلت إلى حد كبير خط دفاع إزاء وضع الحزب الموالي لإيران يده بالكامل على المجتمعات المؤطرة شيعياً، وذلك من خلال التواصل "الأفقي" الذي حبّذته بين الحالات المجتمعية المختلفة في لبنان بما يتجاوز التصنيفات الطائفية.

الحديث عن هذه الظاهرة هنا هو للإشارة إلى التأثير المزدوج والملتبس للتبدلات التي يشهدها لبنان عليها. إذ مع تفتيت الطبقة الوسطى، يطال الأوساط ذات الخلفية الشيعية المشمولة بهذه الظاهرة ما يطال غيرها من اللبنانيين من ضغوط تدفع بها إلى الهجرة أو الانكسار. في المقابل فإن المستفيدين من الدعم المادي لحزب الله، بأشكاله المباشرة وغير المباشرة، وجلّهم من اللبنانيين الشيعة، أقل عرضة لهذه التأثيرات السلبية، بل قد يستفيد بعضهم من الفراغ الناتج عن إنهاك الطبقة الوسطى للتقدم والبروز.

النتيجة الخطيرة هنا هي أن التبدلات تبدو بالتالي وكأنها مجرد متابعة واستمرار لحالة صعود "شيعية" في لبنان (والمزدوجان هنا للإشارة إلى أن أولوية الهوية الشيعية ليست ذاتية بالنسبة للعديد من المشاركين في الصعود السابق، بل ربما لمعظمهم)، ولكنها في الواقع تطال طبيعة حالة الصعود هذه لتجعل منها أكثر "شيعية"، بالمفهوم الحزبي والطائفي، وأقل لبنانية في صفتها الأولوية. أي أن لبنان "الثقافي" مستقبلاً مهيأ لأن يكون أكثر انقساماً عند تعريفات طائفية.

لو أن الانهيار لم يدفع بالواقع الثقافي "الأفقي" في لبنان إلى التآكل، لصحّ التوقع بأنه قادر على استيعاب قدر كبير من المشاركين الجدد فيه، والذين قد يأتونه ابتداءً بهويات طائفية أولوية. غير أن هذه القدرة قد تراجعت اليوم، وإن لم تكن قد وصلت إلى العدم.

يتلخص الواقع اللبناني اليوم بالتالي باستقرار نسبي لصيغة الحكم التي تعتمدها المنظومة والقائمة على الاستنزاف، مع استمرار لتآكل الطبقة الوسطى إلى ما يقترب من نقطة استحالة التصحيح، ومع هجرة خارجة لمئات الآلاف ما يبدل التركيبة على مستويات عدّة، ولا سيما منها الحضور المسيحي، ومع توطّن لمئات الآلاف من السوريين وغيرهم، بحكم الأمر الواقع وإن لم يكن الأمر بعد بالتأطير الشرعي، وبتحول على المستوى الثقافي ينقض النجاحات الأفقية التي تحققت في العقود القليلة الماضية باتجاهات طائفية. أي أن لبنان الذي كان، بالسمات التي جعلت منه وطناً مميزاً، سائر إلى زوال. فما الحاجة إلى الاحتفال بالاستقلال، فيما الوطن مدفوع نحو الإماتة؟

لا يخلو لبنان من نقاط قوة قد تسمح ببعض الأمل، ولكن لا يمكن أن ينتهي هذا المقال بزعم أن هذا الأمل، على ما هو عليه اليوم، كافٍ بذاته. من لا يريد نهاية لبنان، من اللبنانيين وأصدقائهم، عليه أن يبدأ بمصارحة الذات والآخر. لبنان يواجه خطر الموت. لن تخلو أرضه من سكان وثقافة وجمال وحياة. ولكن، إذا استمرت التوجهات على ما هي عليه، فإن القادم لن يكون لبنان.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.