السودانيون مستمرون في تظاهراتهم ضد الانقلاب العسكري
السودانيون مستمرون في تظاهراتهم ضد الانقلاب العسكري

ما تزال الساحة السياسية السودانية تضج بالكثير من المواقف والتجاذبات المستمرة منذ وقوع الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021، حيث تسعى مختلف قوى الثورة لإنهاء الانقلاب واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، بينما بدأ فلول النظام البائد في العودة للمشهد السياسي طامحين بالإمساك بالسلطة مرة أخرى. 

في هذا الإطار، كانت قوى الحرية والتغيير قد طرحت رؤيتها لإنهاء الانقلاب عبر العمل المتوازي في ثلاثة محاور تتكامل ولا تتقاطع، وهى العمل الجماهيري السلمي المقاوم، والتواصل الدبلوماسي المكثف مع المجتمع الدولي، فضلا عن العملية السياسية الهادفة لتحقيق المدنية الكاملة في السلطة.

قد مثلت وثيقة الإعلان الدستوري التي أعدتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين عبر ورشة عمل شاركت فيها العديد من الأحزاب والقوى السياسية والثورية ومنظمات المجتمع المدني الأساس لانطلاق العملية السياسية حيث وجدت قبولا واسعا بين قوى الثورة إلى جانب المكون العسكري الذي أبدى ملاحظات محدودة عليها.

وكانت قوى الثورة المضادة وفلول النظام البائد وحلفاؤهم قد شنوا حملة إعلامية واسعة النطاق لتضليل الرأي العام عبر نشر العديد من الأكاذيب وفي مقدمتها أن الإعلان الدستوري قد تمت صياغته من قبل دول أجنبية، وأن قوى الحرية والتغيير تسعى إلى الوصول لاتفاق ثنائي مع العسكر يضمن لها العودة للسلطة مرة أخرى.

ومن أجل تأكيد موقفها المبدئي تجاه عملية استعادة المسار المدني، ودحض شائعات الفلول، عقدت قوى الحرية والتغيير مؤتمرا صحفيا، يوم 16 نوفمبر الجاري، طرحت فيه المراحل التي ستشملها العملية السياسية الهادفة لإنهاء الانقلاب، حيث أوضحت أنها ستتضمن مرحلة التوقيع على إتفاق إطاري ثم مرحلة الإتفاق النهائي. 

ووفقا لقوى الحرية والتغيير، فإن الإتفاق الإطاري سيستند على التفاهمات التي جرت بينها والمكون العسكري وأطراف قوى الانتقال الديمقراطي، حيث يتناول الاتفاق أهم القضايا التي شملتها هذه التفاهمات وتتمثل في إنشاء إطار دستوري لإقامة سلطة مدنية ديمقراطية انتقالية تستكمل مهام ثورة ديسمبر.

سيتضمن الإتفاق الإطاري المزمع توقيعه في الفترة المقبلة تحديد هياكل السلطة الانتقالية ومستوياتها والصلاحيات والسلطات التي يتمتع بها كل مستوى إلى جانب التحديد الواضح لدور ومهام الجيش والقوات النظامية وتبيين العلاقة التي تربطها بالسلطة المدنية.

من ناحية أخرى، فإن مختلف قوى الثورة ستجد في مضمون الاتفاق الإطاري ما يؤكد على طرح قوى الحرية والتغيير المتمسك بإنهاء الإنقلاب، وهو كذلك سيوضح الفارق الكبير بين هذه الخطوة والاتفاق الذي جرى توقيعه في 21 نوفمبر 2021 وهو الاتفاق الذي رفضته قوى الحرية والتغيير باعتبار أنه يقوي من قبضة العسكر على السلطة ويقفل الطريق أمام عملية التحول المدني الديمقراطي.

أما المرحلة الثانية فستكون مرحلة الاتفاق النهائي حيث سيتم فيها تطوير الإتفاق الإطاري عبر مشاركة جماهيرية واسعة من أصحاب المصلحة وقوى الثورة في أربع قضايا رئيسية هي: العدالة والعدالة الانتقالية، الإصلاح الأمني والعسكري، إتفاق جوبا لسلام السودان، تفكيك نظام ال30 من يونيو 1989.

قضايا المرحلة النهائية تعتبر من القضايا الجوهرية التي من شأنها تأمين الفترة الإنتقالية وضمان سيرها في الإتجاه الصحيح لاستعادة المسار المدني وتعبيد الطريق أمام الإنتخابات الحرة المفضية للنظام الديمقراطي، وبالتالي فإنه يتوجب التوافق حولها من قوى سياسية وثورية واسعة تشمل أصحاب المصلحة، وحتى يتم دحض إدعاءات الفلول بأن العملية السياسية محصورة بين طرفين فقط هما الحرية والتغيير والعسكر.

وقد أوضحت الحرية والتغيير موقفها المبدئي تجاه ضرورة ترسيخ مبدئية العدالة والمحاسبة بما في ذلك آليات العدالة الإنتقالية ووضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب، وكذلك الموقف فيما يختص بعملية الإصلاح الأمني والعسكر وحتمية دمج القوات العسكرية (الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة) في القوات المسلحة وصولا لجيش قومي واحد.

كما دعت قوى الحرية والتغيير إلى ضرورة مراجعة إتفاق سلام جوبا لمعالجة أوجه القصور التي تبدت فيه وذلك بموافقة الأطراف الموقعة على الاتفاق، فضلا عن موقفها المعلوم من قضية تفكيك نظام ال 30 من يونيو واسترداد الأموال العامة باعتباره مطلبا رئيسيا من مطالب الثورة السودانية. 

وفيما يتعلق بأهمية توحيد قوى الثورة أشار تحالف الحرية والتغيير في مؤتمره الصحفي إلى مساعيه المستمرة و جهوده الحثيثة بالمشاركة مع طيف واسع من قوى الثورة لبناء الجبهة المدنية الموحدة التي تجمع كافة قوى الثورة، وللتنسيق مع أكبر قاعدة من القوى السياسية والاجتماعية من أجل توسيع وتقوية قاعدة الانتقال المدني. 

أما فيما يلي مسار العمل الجماهيري السلمي فإن قوى الحرية والتغيير لا تزال تشارك بفعالية في الحراك الشارع، ومواكب الرفض للانقلاب إلى جانب مختلف قوى الثورة، وكذلك عبر الندوات واللقاءات الجماهيرية في مدن العاصمة والولايات ذلك أن هذا الحراك مَّثل وما زال يُمثل الأداة الرئيسية  للتصدي للانقلاب والوقوف في وجه محاولات القوى المضادة للثورة وفلول النظام البائد وحلفاءهم للعودة للسلطة مرة أخرى.

لا شك أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد تطورات حاسمة في مسار العملية السياسية، وهى تطورات تسير باتجاه إنهاء الانقلاب واستعادة المسار المدني الديمقراطي وقطع الطريق أمام أحلام فلول النظام البائد وحلفائهم بالعودة للسلطة مجددا، ولذا فإنها في حدها الأدنى تتطلب تنسيق الجهود بين جميع مكونات الثورة من أجل ضمان استعادة ذلك المسار، وإن تباينت رؤاهم ومواقفهم حول العملية السياسية.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.