تتأمّل روسيا التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار خلال فصل الشتاء
تتأمّل روسيا التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار خلال فصل الشتاء

تكرّرت خلال الشهر الأخير تصريحات المسؤولين الروس التي تعلن انفتاح موسكو على عقد مفاوضات سلام حول أوكرانيا، وتسعى روسيا من هذه الدعوات الى إظهار نفسها كطرف مُحب للسلام وإظهار قادة أوكرانيا إذا رفضوا هذه الدعوات كمتشدّدين، رغم أن روسيا هي الدولة المعتدية التي بدأت الحرب، كما تهدف إلى التغطية على جرائم الحرب التي ترتكبها القوات الروسية يومياً إن كان في قصف المناطق السكنية والمنشآت الاقتصادية ومحطات الطاقة بشكل متعمّد أو في المقابر الجماعية التي يتم اكتشافها في كل منطقة يتم تحريرها من القوات الروسية.

ولكن صيغة الدعوة فضفاضة لا تتحدّث عن أهداف محددة للمفاوضات أو جداول زمنية لتنفيذها، ولكن يمكن أخذ فكرة عن الأهداف الحقيقية للروس في دعوتهم تلك من خلال ما يطرحه أحد حلفاء بوتين الدوليين وهو الرئيس التركي إردوغان، الذي رغم خلافه مع بوتين في كثير من الملفّات ولكنه لا يستطيع تحمّل فكرة خسارته للحرب، لأن ذلك يحرمه من الطرف الدولي الذي يستند عليه أو يهدّد بالتقرّب منه كلما تعرّض لضغوط غربية تتعلق بملف حقوق الإنسان أو باستفزازاته لقبرص واليونان في شرق المتوسط. 

فالرئيس إردوغان عند حديثه عن السلام يعطي الأولوية لوقف إطلاق النار بما يوحي بأن هذا هو المطلب الحقيقي للقادة العسكريين الروس، لأنه يمنحهم الوقت لإعادة تجميع قواتهم وبناء مخزونات الذخيرة والصواريخ واستبدال الأسلحة التي تمّ تدميرها، كما أنه يوقف زخم الهجوم الأوكراني الحالي المترافق مع روح معنوية عالية لأن أي خسارة إستراتيجية جديدة للجيش الروسي بعد الضربتين الكبيرتين اللتين تلقّاهما في إيزيوم وليمان في الشرق وفي خيرسون في الجنوب قد يهدد سلطة بوتين، ففي الأشهر الماضية ارتفعت في روسيا أصوات غير مسبوقة ابتدأت بالهجوم على أداء القادة العسكريين لتصل فيما بعد إلى انتقاد بوتين نفسه ومن قبل أقرب الداعمين له مثل الفيلسوف القومي دوغين.

وتأمّل روسيا التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار خلال فصل الشتاء لأنها ستفقد بعدها ورقة ضغط على الغرب في ملف الغاز كما سيكون قصف محطات الطاقة الأوكرانية ذو تأثير أقل على الرأي العام الداخلي، ولذلك وصل الأمر بحلفاء بوتين إلى طلب حتى ولو هدنة قصيرة، ولكن الرئيس زيلينسكي رفضها موضّحاً "أن روسيا تبحث الآن عن فترة راحة لاستعادة قوتها وبعضهم ينظر إلى هذا الطلب وكأنه يعني نهاية الحرب مع أنه لن يؤدي إلّا إلى تفاقم الوضع لأن السلام الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلّا بالقضاء على العدوان الروسي". 

ويستخدم دعاة القبول بوقف إطلاق النار ذريعة التهديدات الروسية باستخدام أسلحة نووية رغم أن هذه التهديدات فقدت فعاليتها عند الرأي العام العالمي لأن الأوكرانيين أنفسهم المعنيين بهذه التهديدات لم يعطوها أهمية، ولأن جريمة مثل هذه سيترتّب عليها نتائج لا يمكن إصلاحها من ناحية النظرة إلى بوتين ومن ناحية مكانة روسيا الدولية نفسها. 

ولعلّ أحد أهم أهداف هذه الدعوة لمفاوضات سلام إحداث شرخ بين دول الغرب خصوصاً لأن هذه الدول تتفاوت في درجة دعمها لأوكرانيا، فجمهوريات البلطيق وبولندا وفنلندا وبريطانيا ودول أخرى تتبنّى مواقف مؤيدة دون تحفّظ لأوكرانيا وتؤيدها بكل طاقتها، لأن أغلب دول أوروبا الشرقية والدول الإسكندنافية تعتقد أن هزيمة أوكرانيا ستجعلها الهدف الثاني لبوتين وترى أن أوكرانيا تقاتل بالنيابة عنها وعن العالم الحر. 

بينما هناك دول في أوروبا مثل ألمانيا وإيطاليا تقف مع أوكرانيا وتدعمها ولكنها تعتقد أن الحل السياسي هو الطريق الأمثل لإنهاء هذه الحرب دون مطالبة أوكرانيا بتقديم أي تنازل في ما يتعلق بوحدة أراضيها، وهناك دول أخرى تعطي أولوية لتحقيق السلام حتى لو اقتضى ذلك تقديم بعض التنازلات من أوكرانيا دون أن تعلن ذلك صراحةً مثل فرنسا، وهناك أقصى اليمين وأقصى اليسار الأوروبي الذي يقف ضمنيّاً مع بوتين دون أن يصرّح بذلك علناً ولكن ليس لهؤلاء تأثير كبير على الرأي العام ولذلك يختبئون الآن خلف احتجاجات شعبية على تدهور الأوضاع المعيشية بسبب الحرب. 

أما في الولايات المتحدة وهي الطرف الأساسي الداعم لأوكرانيا فيمكن سماع كل الآراء السابقة، وصحيح أن الرأي العام الأميركي مُتعاطف مع أوكرانيا ولكن تطوّر الأحداث على الأرض هو الذي ساعد على بلورة السياسات التي انتهجتها الإدارة الديمقراطية الحالية، ففي الأسابيع القليلة التي سبقت الغزو والأسابيع الأولى بعده كانت أصوات "الواقعيين" هي الأعلى وهم الحريصين على أن لا تتورّط الولايات المتحدة تحت أي ظرف في مواجهة مباشرة مع روسيا، ولذلك كانوا يعملون وقتها على تهيئة الرأي العام الأميركي لتقبّل فكرة هزيمة الجيش الأوكراني على يد الروس بل كانوا يتوقّعون سقوط كييف خلال ساعات أو أيام، ولذلك دعوا زيلينسكي للخروج من كييف إلى بلد آمن ليتابع "نضاله" من هناك عبر حكومة منفى، لكن صمود الأوكرانيين هو الذي أضعف موقف هؤلاء ورجّح موقف دعاة تبنّي سياسة واضحة وحازمة في التصدّي للعدوان الروسي ودعم الجيش الأوكراني. 

واليوم بعد تسعة أشهر من الحرب عادت أصوات نفس هؤلاء "الواقعيين" للارتفاع والمطالبة بوقف إطلاق النار بعضهم يتذرّع ببداية فصل الشتاء وبناء الروس خطوط دفاعية حصينة، وآخرون بتجنّب إذلال بوتين والتهديدات النووية الروسية، ولكن عقبات عديدة تواجههم، أولها أنه من الصعب فرض تسوية على أوكرانيا تتضمّن منح بوتين أراضي استولى عليها خلال الأسابيع الأولى من الحرب رغماً عن القيادة الأوكرانية. 

ولذلك يلجأ بعضهم إلى تصوير زيلينسكي كزعيم متشدّد أو غير واقعي في مطالبه، وبعضهم يضعه في كفّة واحدة مع بوتين مع أن الأخير ديكتاتور يحكم روسيا منذ أكثر من 22 عام ولا تحظى مغامرته الأوكرانية بإجماع شعبي كما ظهر في هروب مئات آلاف الشباب خارج روسيا لتجنّب المُشاركة في هذه الحرب، وما اظهرته بعض المعارك من غياب الدافع للقتال عند كثير من الجنود الروس، بينما زيلينسكي رئيس مُنتخب ويحظى بتأييد شعبي واسع، فمهما ازدادت الضغوط عليه لن يكون بإمكانه تقديم أي تنازل دون استفتاء شعبي. 

ومن الصعب تبرير موقف أميركي يضغط على الأوكرانيين للقبول بأي شيء، ولذلك وقبل يومين فقط أكّد البيت الأبيض أن "زيلينسكي هو الوحيد الذي يمكنه الموافقة على بدء مفاوضات بين أوكرانيا وروسيا" ونافياً وجود أي ضغوط أمريكية في هذا الاتجاه، بما يوضّح أن الكثير من ما يتم تداوله إعلامياً ليس أكثر من بروباغندا هدفها زرع الإحباط عند الرأي العام الأوكراني والغربي الداعم لأوكرانيا. 

أي أن الأسابيع القادمة ستشهد نشاطاً وضغوطاً على الإدارة الأميركية من التيارات التقليدية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري وأوكرانيا وحلفائها الأوروبيين لمواصلة دعم الجيش الأوكراني وتوسيعه، وسيكون هناك ضغوط معاكسة من أقصى اليمين وأقصى اليسار في الولايات المتحدة لتحجيم الدعم لأوكرانيا. 

ولكن يمكن أخذ فكرة عن الموقف السائد عند شريحة واسعة من الرأي العام الغربي في ما قاله رئيس الوزراء البريطاني قبل أيام ومن قلب كييف، "سنقف إلى جانبكم حتى تحقّق أوكرانيا السلام والأمن الذي تستحقّه، إن شجاعة الشعب الأوكراني مصدر إلهام للعالم وسنخبر أحفادنا بقصتكم وكيف وقف شعب فخور في مواجهة هجوم مروّع وكيف قاتلتم وضحّيتم وانتصرتم"، ولذلك تقول المؤشرات حتى الآن إن زخم الحرب سيستمر إلى أن يصبح بالإمكان رسم سيناريو تستعيد فيه أوكرانيا الأراضي التي احتلها الروس في هذه الحرب مع إيجاد شيء يمكن تقديمه لبوتين كانتصار أمام الرأي  العام الروسي. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.