شركات غربية كثيرة استفادت من مشاريع كأس العالم
شركات غربية كثيرة استفادت من مشاريع كأس العالم

سنة 2019، وصلت استثمارات قطر في كل من المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا إلى مبلغ 25.3 مليار يورو.  

سنة 2020، ارتفعت صادرات فرنسا نحو قطر بحوالي 16٪ مقارنة مع السنة السابقة. 

بعد استثمارها 25 مليار يورو في عدد من الشركات الألمانية كـ "فولسفاكن" و"سييمنس" و"دوتش بانك"، أعلنت قطر، سنة 2018، وخلال زيارة رسمية لأميرها تميم بن حمد آل ثاني، عن نيتها ضخ 10 مليار يورو في اقتصاد ألمانيا.  

وفي 2015، طالعنا أيضا قرارا لقطر باستثمار 35 مليار دولار في الولايات المتحدة الأميركية. 

هذه الأرقام ليست للاستعراض ولا للانبهار بقطر. لكنها فقط نماذج وأمثلة، ضمن أخرى كثيرة، تبين أنه، حين تتحدث لغة المصالح والاستثمارات والأموال، ينسى المستفيدون لغات حقوق الإنسان. 

قطر وأغلب دول الخليج لديها، بالفعل، الكثير من المجهودات التي تحتاج القيام بها للسير على نهج احترام الحريات (العامة والفردية) وحقوق الإنسان وحرية التعبير. كما أن معظم دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مازالت، فعلا، تخل بأغلب حقوق الإنسان. لكن، في نفس الوقت، فمن المستفز أن تستفيد شركات غربية كثيرة من تنظيم قطر لكأس العالم، وأن تكسب المليارات في بناء الملاعب والفنادق والطرق ومختلف التجهيزات، وأن تكون مساهما مباشرا في الإخلال بحقوق العمال، ثم يستفيق الغرب بضعة أسابيع قبل بدء التظاهرة ليتذكر بأن قطر لا تحترم الإنسان. 

كاتبة هذه السطور كانت وستبقى مدافعة عن حقوق الأقليات الدينية والجنسية والعرقية، منددة بعدم احترام العلمانية كمبدأ وعدم احترام حقوق النساء وحقوق المثليين وحرية المعتقد ومختلف الحريات الفردية والعمومية، ومختلف الانتماءات الجندرية والإيديولوجية... لكني، في نفس الوقت، أشعر باستفزاز أمام الاستعلاء الذي يتحدث به الغرب معنا (أو على الأقل بعضه). 

نعم، معظم قوانيننا ومجتمعاتنا لا تحترم حقوق الأقليات العرقية والجنسية والدينية. نعم، معظم قوانيننا تضهد حرية المعتقد وحرية ممارسة أو عدم ممارسة الشعائر الدينية. نعم، معظم قوانيننا ومجتمعاتنا تضهد المثليين والمثليات وكل أعضاء مجتمع الميم، وفي هذا الكثير من التخلف ومن الظلم. لكن، بالمقابل، ففي مجتمعاتنا جمعيات ومنابر إعلامية وحقوقيون وحقوقيات يدافعون منذ سنوات عن حقوق الإنسان بكل تفريعاتها، بما فيها حقوق مجتمع الميم وحرية المعتقد وحقوق النساء والحريات الفردية.  بمعنى أننا نعترف بأعطابنا ونسعى، داخليا، لانتقادها. نؤمن بأن الطريق أمامنا طويل... 

كما أن تنظيم قطر لنهائيات كأس العالم ليس مفاجأة نكتشفها اليوم.  أين كان مُنَددو اليوم حين كانت شركات بلدانهم تبني الملاعب والفنادق وتكسب الملايين، ضمن استعدادات قطر لاستضافة نهائيات كأس العالم؟ أين كان الحقوقيون حين كانت قطر تستثمر المليارات في بلدانهم؟ الإعلام الفرنسي الذي يندد اليوم بشراسة بتنظيم قطر لكأس العالم، ما باله يحتفي بنجاحات باريس سان جيرمان، الذي تملكه قطر اليوم والذي يعد من أهم الفرق الأوروبية لكرة القدم؟  

لكي تكون متناسقا مع ذاتك ومواقفك، يفترض أن ترفض الاستثمارات الخليجية عموما والقطرية تحديدا، حين تعتبرها ملطخة بالدماء وبانتهاك حقوق الإنسان. أما أن تستفيد منها اقتصاديا وصناعيا وسياحيا وعسكريا، ثم تأتي "في نهاية المباراة" لكي تنتفض من أجل انتهاكات حقوق الإنسان، فخطابك يفقد الكثير من مصداقيته. 

من المؤكد أن هناك طريقا طويلا نحتاج أن نقطعه في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أجل احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية. وشخصيا، سأكون دائما في صف المدافعين عن حقوق مجتمع الميم وعن كل الحريات الفردية وعن حرية التعبير. كما أني لست أدافع عن قطر، فلديها حكام ومواطنون يدافعون عنها وعن اختياراتها. لكني، في نفس الوقت، أرفض هذه الازدواجية في المعايير وهذه النبرة الاستعلائية التي تتعامل بها بعض مكونات المجتمع الغربي معنا. 

نبرة استعلائية قراءتها الممكنة الوحيدة في النهاية هي أن عددا من مكونات المجتمعات الغربية (كي لا نعمم على الجميع) لديها شعور رهيب بالمركزية وبالاستحقاق: هم مركز الكون وهم من يستحقون تنظيم التظاهرات الكبرى وإعطاء الدروس. هم يستحقون أموال قطر (لأن القطريين والعرب والمسلمين هم في النهاية مجرد رعاع متخلفين)، لكن قطر لا تستحق تنظيم كأس العالم! ربما لو تهدم ملعب أو سقطت قنطرة، لارتاحت بعض الأصوات واطمأنت لمركزية الغرب ولتخلف ما دون الغرب! 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.