جوزف عون
جوزف عون

قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون مطروح بجدّية، ليشغل منصب رئيس الجمهوريّة الفارغ منذ الحادي والثلاثين من أكتوبر الأخير. هو لا يأتي على ذكر هذه المسألة، في ما يصدر عنه من مواقف، ومثله مثل كثيرين من المرشّحين الذين يسعون إلى أن يحصدوا " كأس التوافق"، إذ ليس هناك، في نظره، أجدى من اعتماد سلوك "التعفّف". 

ولكن، هذا السلوك العلني لا يُلغي الوقائع الميدانيّة، إذ إنّ هناك فريقًا مقرّبًا من العماد عون، يتحرّك، بأكبر قدر ممكن من السريّة، في اتجاهات عدة، من أجل "تسويق" اسمه. 

وهذا الفريق مكوّن من مقرّبين من "حزب الله" ومن مسؤولين سابقين في "التيّار الوطني الحر"، ممّن لمعت أسماؤهم في الحملة الداعمة للوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل لترسيم الحدود البحريّة، يوم طرح على الطاولة حق لبنان في الخط 29 الذي عاد المسؤولون اللبنانيّون، بدعم مباشر من "حزب الله"، وتنازلوا عنه كليًّا، حتى تمكنوا من التوصّل إلى الاتفاق بوساطة المسؤول الأميركي آموس هوكستاين. 

وقد اتضح، في الأيّام القليلة الماضية، أنّ هذا الفريق وزّع نشاطاته "التسويقية" في الداخل والخارج، بحيث تحرّك موفدوه، بالتزامن، في عدد من العواصم المعنيّة بالانتخابات الرئاسيّة، فمنهم من زار باريس وموسكو، ومنهم من تحرّك في واشنطن، على مستويي الإدارة والكونغرس، ومنهم من ذهب إلى مصر والفاتيكان، ومنهم من يتحرّك على الخط السعودي، سواء من خلال سفارتها في بيروت أو من خلال مسؤول أمني رفيع في الرياض. 

المعلومات المتوافرة حتى تاريخه، تبيّن أنّ الفريق الذي يتحرّك لمصلحة قائد الجيش اللبناني لم يحصد النجاحات المرجوّة، ليس لعلّة في اسم العماد جوزف عون، بل لأنّ مراكز القرار المعنيّة بلبنان، لا تملك راهنًا، في ظلّ انشغالاتها بملفات اقليميّة ودوليّة حامية جدًّا، الوقت الكافي للإهتمام بالملف اللبناني المعقّد جدًّا، إذ إنّه إلى الخلافات العموديّة والأفقيّة في لبنان، هناك تضارب قوي جدًّا في نظرة القوى الإقليميّة المؤثّرة فيه، كما هي عليه حال المملكة العربيّة السعودية والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. 

ويصطدم الفريق المتحرّك لمصلحة قائد الجيش اللبناني بأنّ الطامحين إلى هذا المنصب سبقوه في تحريك الفرق الخاصة بهم نحو مراكز القرار نفسها، وهي فرق مدعومة من كبار الأثرياء اللبنانيّين الذين تتناقض مصالحهم في لبنان. 

وتعتقد شخصيّات اطلعت على بعض "أدبيّات" الفريق "المسوّق" للعماد جوزف عون، أنّ بعض هؤلاء خلق مشكلة لقائد الجيش في الداخل اللبناني، إذ إنّهم في جلساتهم، لم يكتفوا بعرض أهميّة وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة، من وجهة نظرهم، بل ذهبوا الى أبعد من ذلك، إذ راحوا يُصفّون حساباتهم مع قوى لها كلمتها في المجلس النيابي اللبناني. 

وما قاله هؤلاء عن هذه القوى الناخبة المؤثّرة، لم يبقَ أمانة في "المكاتب المغلقة"، بل وصل الى الفرق التي تتحرّك لمصلحة المرشحين الآخرين، وهي نقلته، بدورها إلى القوى، المعنيّة به، الأمر الذي أوجد عوائق جديدة في طريق قائد الجيش اللبناني الرئاسيّة، إذ إنّ ما يحاول هو تجنّبه أوقعه فيه "الغيارى عليه". 

على أيّ حال، فإنّ الطموحات الرئاسيّة في لبنان وإن كانت جموحًا، فهي مضطرّة لأن تنتظر طويلًا، لأنّ المشاكل التي تحول دون إعادة تكوين السلطة في "بلاد الأرز" أثقل من أيّ وقت مضى، ولا يمكن إيجاد حلول لها، لا عن طريق الصفقات، وفق ما حصل عند انتخاب الرئيس السابق ميشال عون، في العام 2016، ولا عن طريق "تبويس اللحى"، وفق ما تدعوه إليه التصريحات العربيّة والدوليّة. 

إنّ المشكلة الرئاسيّة في لبنان، بعدما وصلت وضعيته إلى أسوأ ممّا هي عليه الأحوال في الصومال وزيمبابواي، كما نوّه أحدث تقرير صادر عن "البنك الدولي"، لم تعد محصورة بصراع الخيارات الداخليّة بل انفتحت على مستوى الخيارات الإقليميّة. 

وفي وقت يريد "حزب الله" ترسيخ لبنان في "محور الممانعة" الذي تقوده إيران، فإنّ القوى المناوئة للحزب تعتبر أنّ السير مع "حزب الله" في خياره هذا، هو حكم على لبنان بالإعدام، لأنّ إنقاذه ممّا يتخبط به يقتضي إعادة وصل ما انقطع من علاقات ممتازة كانت تربط لبنان بدول الخليج عمومًا وبالمملكة العربيّة السعوديّة، خصوصًا. 

وعليه، فإنّ هذه القوى التي تحمل خيارًا خليجيًّا واضحًا في مواجهة القوى التي تحمل خيارًا "ممانعًا" صريحًا، لا تُعير أسماء المرشّحين أهميّة، بقدر ما تُعير قدرتهم على "استعادة" الدعم الخليجي الذي لا بدّ منه. 

وقد تبيّن للقيادة الفرنسيّة التي لم تتوقف حركتها على خطّ لبنان أنّ الرياض غير مستعدة للدخول في مناقشة أيّ فكرة، من شأنها أن تأتي برئيس يُحيي الدور الذي لعبه الرئيس السابق ميشال عون، لمصلحة "حزب الله". 

ولا تعتقد باريس بقدرة لبنان على النهوض من الكارثة الضخمة التي وقع فيها من دون دخول سعودي قوي على الخط. 

وما تعتقده باريس تعتقده واشنطن أيضًا، إذ إنّ التقييمات التي سبق أن قدّمها الوسيط الأميركي آموس هوكستاين عن وضع لبنان على سكة الإنقاذ، أوصت بوجوب التطلّع إلى دعم قوي تقدّمه دولة بقدرات المملكة العربيّة السعوديّة. 

ولكنّ باريس، لم تجد، في تحضيرات "زيارة الدولة" التي سيجريها الرئيس إيمانويل ماكرون الى واشنطن، في آخر نوفمبر الجاري، استعدادًا أميركيًّا للدخول بفاعليّة على خط "رئاسيات لبنان"، لا بل إنّ مسؤولًا فرنسًّا مقرّبًا من ماكرون ذهب في تشاؤمه إلى حد القول لأحد زائريه اللبنانيّين:" ملف لبنان لن يأخذ من القمة الفرنسيّة-الأميركيّة سوى بضع ثوان". 

وعليه، فإنّ إعادة تكوين السلطة في لبنان مرجأة حتى يتحقق شرط من ثلاثة: إمّا يتراجع "حزب الله" عن قرار ترسيخ ربط لبنان ب"محور الممانعة"، وهذا يحتاج إلى معجزة، أو تتراجع القوى المناوئة لـ"حزب الله" عن خيارها الخليجي، وهذا يحتاج إلى هزيمة مدوية، أو تبدأ قنوات التفاوض بين إيران والسعوديّة التي عُلّقت، في هذه المرحلة، بإنتاج تفاهمات كبرى. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.