الكثيرين يهملون ما قاله القرأن ويفضلون عليه ما ينسب إلى الرسول في كتب التراث
الكثيرين يهملون ما قاله القرأن ويفضلون عليه ما ينسب إلى الرسول في كتب التراث

قد يتعجب البعض من هذا العنوان ولكن للأسف الشديد فإن الأمر المذكور في عنوان هذه المقالة له تأثيرات عديدة في واقع المجتمعات الإسلامية. فجعل الرسول في منزلة أعلى من الخالق في قلوب العديد من المسلمين تسبب في اتباع أمور منسوبة للرسول الكريم وتتعارض مع صريح كلمات الله في كتابه العزيز.   

فعلى سبيل المثال فإن تعارض ما تم نقله عن الرسول مثل "حكم الردة" ومع آيات قرآنية عديدة تتعارض معه مثل (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ومثل (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) يضع الرسول في منزلة أعلى من منزلة الله في قلوب كثيرين ويجعلهم بالتالي يهملون ما قاله الخالق في كتابه العزيز ويفضلون عليه ما ينسب إلى الرسول في كتب التراث.  

وقبل أن أسرد نقاط حجتي في هذه المقالة أكاد أجزم أن كثيرين ممن رأوا عنوان المقال بدأوا في الاعتراض على المقال قبل أن يقرأوه. ولا شك عندي أن البعض يقول الآن وبنظرة غضب "كيف يذكر هذا الكاتب اسم الرسول دون أن يصلي عليه". وللرد على هذه النقطة الأولى أود أن أذكر أن الله تعالى سمى أحد سور القرآن بسورة "محمد" ولم يسمها سورة "محمد عليه الصلاة والسلام" بالرغم أنه – كما ذكر القرآن في محكم آياته أنه يصلي على النبي! ولنا أيضاً مثلا تاريخياُ لا ينسى وهو ما قاله أبو بكر الصديق للناس بعد وفاة الرسول حين وقف وبصوت عال يقول لهم "من كان يعبد محمداً فن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن اللهَ حي لايموت". فهل كان أبو بكر الصديق لا يعرف اللآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا- سورة الأحزاب آية 56) فذكر الصديق اسم "محمد" دون أن يقول عليه الصلاة والسلام كما يفعل من يدعون التقوى في هذا العصر فينتفضون ليقولوا عليه الصلاة والسلام إذا ذكر الرسول أمامهم ولكنهم لا ينبتون ببنت شفة إذا تم ذكر خالق السماوات والأرض أمامهم فهم لا ينتفضون ليقولوا "سبحان الله" كلما تم ذكر اسم الرحمن أمامهم وينسون أو يتناسون تماماً أن من أمرهم أن يصلوا على الرسول هو نفسه من قال لهم وبفعل الأمر " سبح إسم ربك الأعلى"! ولكن وكما يقول الإخوة المصريون في لغتهم الدارجة "القلب وما يريد"!  

وللتجربة العملية فليسأل القارئ نفسه ماذا سيحدث إن قال للناس أحد كلمة "رسول الله" سواءً في جلسة حديث أو في خطبة جمعة مثلاً فهل سينتفض الناس ليقولوا سبحان الله لأن اسم الله ذكر أمامهم أم أنهم سينتفضون ليقولوا "عليه الصلاة والسلام" وكأن اسم الله لم يتم ذكره في  التعبير "رسول الله"!   

وسيتطوع البعض الآن ليقولوا وما رأيك في الحديث الذي تم نسبته إلى الرسول "ألا تدرون من البخيل... من ذكرت أمامه ولم يصل علي". أقول لهؤلاء أني أعرف هذا الحديث ولكن أليس أيضاً ببخيل من تم ذكر اسم الرحمن أمامه ولم يسبحه عملا بقوله تعال - وهو باستخدام فعل الأمر - (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى- سورة الأعلى الآيايتين الأولى والثانية).  

ويتجلى هذا الأمر وهو حب الرسول أكثر من الله نفسه في تعبير من يذهبون للحج فيقولون أنهم ذاهبون "لزيارة أرض الرسول" بالرغم أن الله تعالى يقول في كتابه الكريم (إن الأرض لله يورثها من يشاء) ولم يقل أن الأرض "للرسول".  

والأمر جد غريب ووصل إلى درجة أن معظم الكتب الإسلامية تضع تعبير "صلعم" (أي صلى الله عليه وسلم) كلما تم ذكر اسم "محمد" أو كلمة "الرسول " أو تعبير "رسول الله" ولا يكتبون أي كلمة لتسبيح اسم الله نفسه كلما تم ذكر اسمه!  

ولا يسعني في هذا السياق إلا أن أقول الآية الكريمة " وَمِنَ ٱالنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱاللَّهِ ۖ وَاٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ " (سورة البقرة آية 165). 

وللحديث بقية! 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.