لقاء إردوغان والسيسي في الدوحة
لقاء إردوغان والسيسي في الدوحة على هامش مسابقات كأس العالم.

في الأزمات الدولية، هناك دوما مساحات خلفية تنفذ منها دبلوماسية الحلول، وتلك المساحة قد تكون سرية بعيدة عن عدسات الكاميرات وفضول الصحفيين، أو عبر طرف ثالث يحمل الرسائل المتبادلة، وفي العصر الحديث تم تطوير فكرة "دبلوماسية النهج الثاني – Diplomacy Track 2" والتي تجمع نخبا غير رسمية لا تمثل حكوماتها بأي شكل من أطراف النزاع ليلتقوا بحثا عن حلول مبتكرة. 

المناسبات الرياضية الدولية ذات الطابع المهرجاني أيضا دخلت عالم الدبلوماسية في العلاقات الدولية عبر ومضات "غير متوقعة" أو مفاجئة تعمل على إحداث شق في الحائط يمكن من خلاله فتح طريق حوار جديد، ولنتفق على تسميته مجازا "دبلوماسية النهج الثالث- Diplomacy Track 3". 

يمكن تأريخ النهج الثالث بأهم قصة في العصر السياسي الحديث وقد حدثت عام ١٩٧١، وصارت معروفة بدبلوماسية "البينغ بونغ" حين كانت العلاقة الأميركية – الصينية في ذروة الأزمة الساخنة، وقد كان الطرفان يخوضان حروبا بالوكالة في شبه الجزيرة الكورية (الصين مع الشمال والأميركان مع الجنوب) وحرب فيتنام الشرسة التي كان الاصطفاف فيها دمويا وشرسا، ومع تلك الذروة في الأزمة كان الطرفان قد وصلا إلى قناعة بضرورة البحث عن أي مخرج "آمن" من الأزمة بأي تحريك ممكن، فالصين تريد فضاءً جديدا للتفاهمات التجارية العالمية في ذروة إنتاجها الصناعي الضخم والولايات المتحدة تبحث عن طريقة خروج من المستنقع الفيتنامي لا تبدو فيه مهزومة. 

في تلك اللحظة الفارقة وأثناء انعقاد البطولة العالمية الحادية والثلاثين لتنس الطاولة، التي عقدت في ناغويا في اليابان، ولسبب ما ربما كان الصدفة الأجمل في تلك الأجواء المتأزمة، يتأخر لاعب الفريق الأميركي "غلين كوان" في أحد تدريباته مع لاعب صيني آخر عن حافلة فريقه الأميركي ليجد نفسه مضطرا لركوب حافلة الفريق الصيني، وفي الحافلة تجاهله الفريق الصيني بعدائية واضحة "ومفهومة طبعا" لتأتي اللحظة الفارقة في الخمس دقائق الأخيرة من رحلة الحافلة حين يحسم لاعب صيني اسمه "زو هانغ زيدونغ" أمره ويبادر بمصافحة اللاعب الأميركي المتوتر في الحافلة، ويهدئ من روعه بل ويهديه من حقيبته منديلا حريريا مرسوما عليه رسما لجبل صيني شهير.  

تداعيات هذه الالتفاتة الإنسانية النبيلة من اللاعب الصيني حفزت القيادة الصينية على تلبية طلب سابق لاتحاد كرة الطاولة الأميركي بزيارة الصين كان قد تم رفضه عدة مرات، وهو ما مهد بعد زيارة الفريق الأميركي إلى تخفيف الأزمة ومبادرة الرئيس الأميركي نكسون إلى زيارة الصين الشهيرة. 

حسنا، تلك الحكاية في مصافحة لاعب صيني للاعب أميركي لم تكن كذلك بالضبط في الدوحة، لكن المصافحة كانت أعلى مستوى سياسيا حين التقطت عدسات المصورين يد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تصافح يد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفي المنتصف بالضبط وبابتسامة كاملة ومعبرة كان يقف الشيخ تميم رئيس دولة قطر. كان المونديال في بدايته الافتتاحية قد بدأ بتسديد رسائله السياسية مع تلك المصافحة، رسائل مباغتة ومفاجئة ومنها ما كان تعبيرا عن أزمة وليس بالضرورة نهجا ثالثا يبحث عن حلول! 

ربما كانت الرسالة الأكثر انتشارا، هي تلك الحملة "الناجحة" لمجتمع المثليين الدولي وقد تحولوا إلى "عصبة أخوية عالمية" في السنوات الأخيرة، وأستعير هنا رأيا للخبيرة المحترفة في تحليل المحتوى الإعلامي السيدة تمارا الخزوز حيث تقول "... الحملة المعنية بالترويج لحقوق المثليين يجب أن تدرّس على أنها أنجح حملات كسب التأييد في العالم !  العنوان الرئيسي لكل المعارك اليوم  حق المثليين! حتى في كأس العالم لم  تحمل الوفود الرياضية -ما عدا الوفد الإيراني- أي رسالة سياسية أو اجتماعية هامة لا بيئية ولا مناخية ولا معيشية …كنت أتوقع ان يحمل كأس العالم رسالة للأنسانية  بعد سنوات  الوباء والعزلة!   

كنت أتوقع أن يأتي الأوروبيون في رسائل متعلقة بالحرب والغاز ! ولكننا ما زلنا نتحدث عن حق المثليين!) 

نعم.. الحملة نجحت في التغطية على أي شيء آخر، وحولت المونديال نفسه إلى معركة بين "المحافظين" و"النيو-ليبراليين" على هذا الكوكب، وهي معركة مستحقة قريبا، بدأت منذ زمن قريب في صناديق الانتخاب الأوروبية والغربية وخطابات بوتين على خلفية حرب أوكرانيا. 

ومن هنا أشعر بارتياح لتصريحات قائد منتخب بلجيكا إيدين هازارد حين يقول بحيادية محترف كرة القدم وبروح رياضية رفيعة  إن "لاعبي منتخب ألمانيا كان بإمكانهم أن يفعلوا ما هو أفضل مما فعلوه (تكميم أفواههم)، وأن يعملوا على محاولة تحقيق الفوز بدل شيء آخر"، تلك رسالة أخلاقية رياضية بنكهة سياسية لم يسمعها الألمان "ولا وزيرتهم الحاضرة بشارة المثليين" جيدا. 

لكن الرسائل في المونديال لم تتوقف، قطر نفسها بالغت في حمل رسالة "الدعوة الإسلامية" إلى حد أنها أنفقت 220 مليار دولار على كامل المونديال بما يشمل ذلك حملات الدعوة الناعمة للدين الإسلامي حتى يبدو أن المونديال هدفه "تبشيري" أكثر من كونه رياضيا، وطبعا كان لا بد من الاصطدام بحملة "المثليين" التي تخللها مساومات حتى بعد بدء فعاليات البطولة، وكان حائط صد دفاع الدوحة دوما هو قرارات فيفا وقواعده بعدم ارتداء إشارات تنحاز لدين أو موقف سياسي أو قومي يثير الجدل، وفي نفس الوقت كانت قطر تسجل أهداف "تسلل" ألهبت حماس العالم العربي والإسلامي حين ارتدى المنظمون القطريون شارات على أذرعهم تمثل الكوفية الفلسطينية الشهيرة. 

في مشاركتها الكروية في المونديال والذي خرجت منه مبكرا بأداء متواضع لفريقها الوطني، تساءل كثيرون عن جدوى إنفاق تلك المليارات على تنظيم كأس العالم برعاية شبحية من منهجية الشيخ الراحل حديثا يوسف القرضاوي، ولم ينفق ذلك المال أو بعضه على تجهيز فريق قطري مؤهل للاستمرار في البطولة أكثر مما فعل الفريق الحالي. 

لكن، لا تملك إلا ان تشعر بالانبهار من ذلك التنظيم، والرسالة السياسية الناعمة وبالغة التهذيب التي أبرقها الشيخ تميم نفسه حين شجع المنتخب السعودي في مدرجاته، بعد البرقية السعودية الخاطفة والمباغتة والمفاجئة وشديدة اللهجة للعالم بأن المنتخب السعودي قادر على أن يواجه بندية، وهي رسالة كانت هدفا  "نظيفا لا تسلل فيه" للعالم العربي الذي اجتاحته فرحة عارمة أذابت كثيرا من الجليد السياسي المتراكم منذ زمن. 

في العمق، وكما أشارت السيدة الخزوز، كانت رسالة الإيرانيين التي بهتت بسبب حملة المثليين والغطرسة الغربية الواضحة في التعامل مع مونديال "عربي" في قطر، كانت رسالة الشارع الإيراني التي حملها الفريق في أول لقاءاته حين امتنع "بحزن ووجع واضحين" عن ترديد كلمات النشيد الإيراني، وهو ما عكس احتجاجا عميقا على سياسات البطش للنظام الإيراني ضد شعبه، رسالة يمكن فهمها أنها طلب استغاثة عاجل من الإيرانيين بوقف العنف والاضطهاد الشرس ضد الشعب الإيراني، رسالة توقف نبضها في اللقاء الثاني لكن الجمهور الإيراني في المدرجات استمر بحملها وقد "تعرض فريقه للضغط فرضخ لنظام طهران" وكانت مهسا أميني الإيرانية حاضرة في المونديال وهو حضور لم تكن لتحلم بوجوده لو بقيت على قيد الحياة لم يقتلها استبداد الملالي ونظام الإسلام السياسي الحاكم في طهران. 

الإسلام السياسي الذي "تسلل بنعومة لزجة" في تنظيم المونديال وخلفياته، ولو تم تغييبه لكان المونديال انتصارا "نظيفا" أمام هجمة متغطرسة غربية لم تخف ملامحها هاجمت "القدرة " المذهلة في عالم عربي يحاول أن يثبت وجوده وحضوره الحضاري بعيدا عن التنميط القديم والمنتهية صلاحيته، حتى أن محطة عريقة في الاحترام مثل بي بي سي تقع في خطايا التضليل الممنهج بتقريرها عن مشجعين وهميين ثبت بعده أن التقرير مضلل وساقط مهنيا يستوجب من محطة بتاريخ عريق محترم أن تعتذر عنه للعالم ولقطر. 

المونديال واعد بالمفاجآت الكروية "مثل مفاجأة السعودية المفرحة مثلا بالنسبة لي"، ولا يزال يتحمل برقيات سياسية نتمنى أن تكون إيجابية في "نهج ثالث" في الدبلوماسية، فالعالم ضج بأزماته حد انفجار وشيك، وهو عالمنا جميعا في النهاية، إما أن يكون لنا جميعا أو لا يكون أحد. 

ونعم.. قطر نجحت بجدارة أن تكون عالمية الحضور مثل السعودية، وهذا حضور مستحق بامتياز. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.