تمتعت بذكاء فني استثنائي
تمتعت بذكاء فني استثنائي

رغم انشغال عالم الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بفعاليات المونديال التي تجري في قطر، وطغيان أجواء المباريات ومفاجآتها على جميع ما عداها من أخبار أو اهتمامات. لم يفوت محبّو السيدة فيروز اقتناص فرصة عيد ميلادها الذي صادف يوم 21 من شهر نوفمبر الجاري، واقتحموا مساحات عالم الكرة الصاخب بمنشورات هادئة حملت الكثير من الحب والأمنيات الطيبة لها وأرفقت ببعض مقاطع الفيديو لمختارات متميزة من أغانيها.

لكن هذه المناسبة لم تمر بسلام كما يفترض بها كاحتفالية خاصة بسيدة استثنائية شارفت على ختام عقدها التاسع. وتجاوزت حرية التعبير التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي حدودها المسموح بها، لتتحول إلى حرية سلبية تُستغل منافذها لبث الاساءات اللفظية غير المبررة. وهو توجه عنفي سُمّي بات يشكل جزءاً مرادفاً لهذه الوسائل ويصعب ضبطه في المطلق وبخاصة مع المراوغات اللغوية المبتكرة التي يلجأ إليها المعلقون من أصحاب الأسماء الوهمية، ويستهدف بشكل مكثف حياة النجوم والنساء والشخصيات العامة.

إذ استرجع البعض صورة السيدة فيروز التي سبق لابنتها ريما أن نشرتها لها قبل أشهر وتبدو فيها كأي سيدة طبيعية مسنّة تعبر بابتسامة ودودة وبصدق عن حقيقة عمرها بدون "روتوش" أو "فلترة" أو عمليات تجميل منفرة. وكرروا باستفزاز متعمد لهجة السخرية والتنمر على شخصها وعلى محبيها "المتخلفين" عن العصر، وأيضاً الاستخفاف بترائها الغنائي وتراث الرحابنة الأوائل بوصفه "سوداوياً" يبعث على "السأم"، وانتهت صلاحيته منذ سنوات، بحسب تعبيراتهم.

ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها هذه السيدة القديرة لحملات مسيئة مختلفة الأسباب، كما أنها لا تتفرد بمثل هذه الحملات التي تشهد كل حين موجات تنمر تختار "ضحية" جديدة ذات اعتبار خاص، كان آخرها النجمة المصرية ميرفت أمين، وقبلها الفنانة الراحلة صباح وغيرها من نجمات ونجوم العالم. ومن المؤسف أن الاستهداف يطال بأذيته بشكل أكبر الشخصية "الأنثى" التي يتقدم بها السن، ويترافق بصور قديمة لها تظهر فيها في أوج جمالها وذروة شبابها بغرض إبراز المفارقات العمرية الشاسعة وإجراء مقارنات غير منصفة.

لا يمكن لأي كائن حي الاحتفاظ بشبابه إلى الأبد، وتفترض جميع المبادئ الإنسانية والأخلاقية التعامل مع التقدم بالعمر لأي إنسان، والفنان بشكل خاص، بوصفه حالة مبهجة بسبب حضوره الطويل، وكمنجز حقيقي يسجل له في الكفاح لأجل الحياة بما تحمله من تحديات ومشقات، وأيضاً مكسب كبير لأسرته والمجتمع ومحبيه. إذ لا يقاس عمر الفنان بعدد سنوات حياته، بل بعمر تجربته التي تخضع للنقد وتؤرخ إن كانت تصلح، وتضاف إلى التجربة الفنية العامة والمرحلة الزمنية التي تنتمي إليها.

وتجربة فيروز الطويلة، لا تنحصر فقط بالحالة الوجدانية التي شكلتها لأجيال متعاقبة، ولا بالصفات –فوق العادية- التي أطلقت عليها مثل "سفيرتنا إلى النجوم" وعمود بعلبك السابع" وغيرها. بل بوصفها امرأة ناضلت وثابرت لأجل أهدافها، ترفع لها القبعة قياساً إلى رحلتها الشخصية التي تحدت فيها أصعب الظروف المادية والعائلية، وحققت رغم ذلك أمجاداً معنوية واحتراماً عالمياً وضعها في مصاف أبرز نجوم العالم العربي والعالم.

يصنف العصر الذي انتمت إليه فيروز وكبار النجوم" بالزمن الجميل". وفي الحقيقة لم تكن تلك الأيام بتلك الصورة المشعة المبالغ بها التي يتخيلها أبناء اليوم. ومن يطلع على تفاصيل حياة نجوم تلك المرحلة، أو حياة فيروز التي سمحت لبعض الكتاب المقربين من أسرتها بنشر جزء يسير منها، سيكتشف أنه كان درباً شابته الكثير من المشقات مقارنة بمعطيات وتسهيلات عصرنا الحالي. وأنها رغم أعبائها الفنية التي أفضت إلى إغناء الحياة الفنية بتراث استثنائي لن يتكرر، حملت أعباء الزوجة والأمومة لأربعة أطفال، وأفرزت مبدعاً يدعى زياد.

أبرز ما يمكن الاضاءة عليه في حياة هذه السيدة، هو أنها تمتعت بذكاء فني استثنائي يتعلق بفهمها لروح الكلمة المنطوقة بالعامية أو الفصحى، وكيفية تسخير صوت مشاعرها العميق لأدائها، مع فهمها اللماح للجملة الموسيقية. وهو مثلث شديد الدقة منحته بموهبتها الخاصة تناغمه ورشاقته الذي يعزى إليها كأصالة خاصة بها وحدها، وأفضى إلى حالة فيروزية متفردة في نوعيتها لم تتكرر في المشهد الفني والغنائي اللبناني والعربي بالمطلق.

يحق لأي إنسان أن يتقبل بحسب ذائقته الفنية هذه النوعية الغنائية أو لا يتقبلها، ويحق له مناقشتها ونقدها، وأن تستهويه بشغف في مرحلة عمرية ما ثم يبتعد عنها في مرحلة عمرية أخرى لأسباب شخصية تتعلق به وليس بها، مثل مقدرتها النفاذة على إثارة ذكريات أليمة لديه يرغب في طيها. لكن لاحق لأحد استباحة تجارب راسخة والتنمر على أصحابها وأعمارهم ووجوههم التي حفر الزمن والتعب خطوطهما عليها، وإيذاء مشاعر- الكبار في السن والقيمة- بهذا القدر من التجريح.

من بين كل القصص التي تسربت عن حياة فيروز، ومنها ما روته هي شخصياً، مازالت تأسرني قصة المعطف الذي كانت تحلم به وهي شابة وفقيرة، وحين اقتنه بعد جهد صارت ترتديه صيفاً وشتاء. وهي قصة ترفع من درجات الاحترام لهذه التجربة وصاحبتها الفيروز، أو نهاد حداد كاسم أصيل يروق لي، المرأة المؤثرة والقوية رغم كل رقتها الظاهرة.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.