تراجع مبيعات النفط العراقي في آسيا
"الاقتصاد العراقي يتعمد بنسبة 90% على النفط".

بحسرةٍ وألم يشاهد المواطنُ العراقي مباريات كأس العالم التي تستضيفها دولة قطر، ويتساءل: لماذا نجحت قطر التي يعتمد اقتصادُها الريعَ النفطيّ في بناء هذه الملاعب الفخمة وكلّ منشآت البنية التحتية لاستضافة أهم حدث رياضي في العالم، في حين فشلت كلّ الحكومات العراقية في توظيف النفط لِلبناء والإعمار؟ 

قد تكون هذه المقارنة غير منصفة، على اعتبار أنَّ طبيعة النظام السياسي في كلا البلدَين تختلف، وأنَّ التحديات الجيوسياسية تختلف أيضاً، ولكن موضوعنا يناقش الفشلَ والنجاحَ في إدارة الاقتصاد الريعيّ. وإذا عدنا مرةً أخرى إلى المواطن العراقي، فعندما يقارن واقعه المعاشيّ بما يعيشه أيّ مواطن في دول الخليج، سيقول: ماذا استفدتُ من النفط حتّى أستفيد من نظامنا "الديمقراطي" الذي تلوّث بالفوضى والفساد وحكم الزعامات السياسية؟! 

النفط، هذه الثروة الطبيعية التي تحوّلت إلى "لعنة"، حسب وصف بعض الباحثين في الاقتصاد السياسي، وأطلق عليها تسمية "دم الشيطان" عالِمُ الاقتصاد الأميركي "فيرنون سميث" الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد، ضمن محاضرةٍ له في "معهد السلام" في واشنطن 2003. فالثروة النفطية في رأيه "تغذّي انعدام الكفاءة، وتزيد من مركزية السلطة، وتنشئ رأسمالية أتباع وأقارب، وتشجّع زيادة الإنفاق الحكومي بلا حساب، فيغدو الإنفاق سرطاناً لا يمكن إيقافه، وممارسة لا تمكن إدامتها". 

الحكومات المتعاقبة كلّها، تكرر في برنامجها الحكوميّ عبارة (التوجّه نحو اقتصاد السوق)، و(تنوّع الإيرادات غير النفطيّة). ولكنّها تفشل في تنفيذ تلك الوعود، وتعتمد أولاً وأخيراً على العائدات النفطية، لا بل حكومة الكاظمي كانت تتفاخر بنجاحها في "تحقيق أعلى معدّل نمو اقتصادي"، مِن دون أن يُذكر لنا ما هي المعجزة الاقتصادية على مستوى الأنشطة الإنتاجية والخدمية التي حققت الارتفاع في معدّل النمو، في بلدٍ اقتصاده يتعمد بنسبة 90% على النفط ولا شيء غيره. ولو لا ارتفاع سعر برميل النفط إلى أكثر من 100$ لما حدث أيّ نمو. 

ويبدو أن رؤساء حكوماتنا لا يجيدون غير الثرثرة السياسية في قضايا الاقتصاد، أو في أحسن الأحوال هم بارعون في التشخيص، ولكنّهم عاجزون عن تحويل الحلول من التخطيط على الورق والحديث في المنتديات الإعلامية والندوات السياسية والأكاديمية إلى الواقع العمليّ. أمّا فريق المستشارين الاقتصاديين المرتبطين بالحكومة فمهمتهم تبرير سياسات الإنفاق العَبَثية والفوضوية، وتبرير صفقات الفساد في مزاد بيع العملة، والتشكّي والتذمّر مِن تضخّم عبء الإنفاق الحكوميّ على الرواتب. 

بسبب اعتماد الاقتصاد العراقيّ على الريع النفطي، اندمجت السلطتان الاقتصادية والسياسية في أيدي الأحزاب السلطويّة وشخصياتها وزعامتها. ومن ثمَّ، أصبحت وظيفة الحكومات تنحصر في مهمتَين: الأولى تنمية موارد الأحزاب وزعامتها السياسية وضمان هيمنتها على موارد الدولة ونشاطاتها الاقتصادية. والثانية، توسيع دائرة زبائنها السياسيين من خلال التعيينات في دوائر الدولة، فهم بالنتيجة رعايا وأصوات انتخابية تابعون لهذا الحزب السياسي أو ذاك، وليسوا مواطنين تضمن الدولة توفير فرص العمل لهم. 

يقول عصام الخفاجي: إنَّ الدولةَ الريعيةَ في العراق لا تؤمّن الإذعان لها والسكوت على تجاوزاتها لمجرّد أنّها تشغّل أكبر عدد مِن العاملين فحسب، بل هي تخرّب كلَّ مفهوم حول اقتصاد السوق وتحيله إلى نظام مافيا مقنَّن لأنّها هي مَن يمنح العقود والمقاولات، ويتمّ ذلك في أجواء بعيدة كلّ البعد عن التنافس المتكافئ.  

لذلك ليس غريبًا عدم إصغاء الحكومات إلى الناس، وافتقادها القدرة على ضبط تصرفاتها، ما دام النفط هو ما يمولها. فالحكومة هي من تهب وتوزّع العطايا على الرعايا، ما دامت قادرة على تمويل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وشرطتها وجيشها مما تدرّه عليها موارد النفط. وتغطّي على فشلها وسوء إدارتها وحتّى فسادها من خلال تأسيس شبكات إعلامية دعائية تروّج لمنجزاتها الوهمية وتسقّط خصومها ومَن يعارضها. 

كلّنا نعلم، وحتّى غير المتخصصين، أنّ الاقتصاد الذي يعتمد النفطَ والغاز هو اقتصاد حكوميّ بالتعريف، وإنَّ الحكومات هي، بالتعريف، أجهزة غير منتجة، ومصاريفها تبتلع الجزءَ الأكبرَ من العائدات، السهلة أو الصعبة. ولا يمكن لِلهيئة الحكومية أن توسّع حدودها إلى ما لا نهاية لامتصاص العاطلين. خصوصاً أنَّ معدّل البطالة في العراق، حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط، بلغ 16,5%. ولذلك على الحكومة توفير 5 ملايين فرصة عمل لغاية 2030، ليس من خلال "توظيفهم" أو "التعاقد" معهم لِلعمل في أجهزة ومؤسسات الدولة، وإنّما من خلال تنويع الاقتصاد، وإيجاد فرص عمل مستدامة.  

لحدّ الآن لم تتضح الاستراتيجية الاقتصادية لِلحكومة، ومهما كانت ملامحها فإنّها لن تغادر منطقة الاعتماد المطلَق على سوق النفط التي يمكن أن تنقلب في الأعوام المقبلة. 

والجميع ينتظر الحكومة أن تترجم برنامجها في إعداد الموازنة الاتحادية لِعام 2023، وهل ستكون الموازنة مجرّد بنود تنظّم جداول الإنفاق الحكومية أم ستكون موازنة برامج كما تعهد بذلك رئيس الوزراء محمد شياع السوداني؟ وكيف يمكن أن تواجه الدَين الداخلي الهائل، والاختلال الهيكلي المُزمِن، ومعدّلات البطالة الصريحة والمُقنّعة، والترهُّل الكارثي للقطاع الحكومي؟  

إنَّ الآمال المرسومة في البرنامج الحكوميّ، والتصريحات السياسية التي تعد بها الحكومات الشبابَ الطامح إلى دخول سوق العمل بربع مليون وظيفة حكومية كل عام، وليصل عدد الموظفين والمتقاعدين إلى عتبة الخمسة ملايين! كلّ ذلك لا يمكن له أن يتحقق إلا ببقاء أسعار النفط أعلى من 60$ للبرميل الواحد. عدا ذلك فإنَّ كلّ الوعود ستظل مجرّد بيع للأوهام، ومجرّد أمنيات ليس أكثر، أو هي وصفات لإدامة الخراب، وإنها تراهن على معجزة نهوض العملاق النفطيّ. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.