لوحة القبلة للرسام إدوارد مونش.

سابقاً، وبلا فخر، كنت أسخر من " متلازمة القلب المكسور" عندما يشكو أحدهم مصابه وألمه منها، على أنها أكثر الآلام البشرية المبالغ في تقديرها وتأزيمها، مقارنة بما يحصل على هذا الكوكب، في هذه الحقبة، من كوارث عميقة من مجاعات وحروب ومجازر، وتغيير هائل في مناخ ما أن يصل إلى نقطة الذروة، نقطة اللاعودة، حتى يحل "دمار" عالمي مسبباً في غرق مدن بأكملها بالماء، فيما ستعاني المدن الأخرى من الجفاف والتصحر. 

القائمة تطول، مستمرة ولا تنتهي.

الآن، أفضل تسميتها "بالقلب المفطور" عوضاً عن "المكسور"، في محاولة درامية لتجنب معاملة القلب معاملة زبدية حساء النودلز أو كأس الماء المصنوع في واحد من معامل الصين، بتكلفة لا تتجاوز الخمسين سنت. وإن كان المشتهى الفعلي استبداله هو وعقلي بلوحين من الزجاج الشفاف من جهة واحدة، والعاكس من الجهة الأخرى. 

أفضل معاملته كمعاملة الفطر، النباتات اللازهرية، الفطريات التي تفطر الأرض شقاً من اللامكان، من اللاشيء، مسببة خللاً في استواء التراب لفترة من الزمن قبل أن تذبل أو تتعفن نحو اللاشيء مجدداً. 

أبحث عن سببٍ شاعري، سحري، لاستخدام كلمة "مفطور" في العربية، بينما أزيل ما علق من الأعشاب البحرية على شعري، بعد ما أغرقني فيضان مفاجئ من الحزن والألم العميقين، غير المحتملين. 

طوفان أغرقني عميقاً، بكل ما لدي من "صدمات طفولة"، وأزمات سابقة غير محلولة، طائفاً أخيراً، بي وبهم وبكل شيء، إلى أقصاه، دون أدوات مواجهة. أو مسدس ملقم معلق على الجوارب الشفافة الطويلة من جهة الفخذ، إذا ما قررت تنفيذ الموت الرحيم تجاه لاوعيي المأزوم. 

يسألني المعالج النفسي عن شعور الخوف المهيمن على جزء من عقلي من اختبار ورفض العيش في مرحلة الانفصال وما بعده وإنكاره حتى، خصوصاً وتحديداً تجاه شخص واحد دوناً عن غيره، رغم معرفتي الواسعة والتجربة اللامحدودة المستمرة مع الكثير من الأشخاص. التواصل الذي كونته بعناية وتهور في آن خلال السبع سنوات الماضية، الذي يستدعي في نقطة ما الهاء أو تعويضاً ولو بجزء صغير عن إحساس الفقد. 

"الشعور بحقيقة العالم" أجيبه. 

اختبرت إحساس "انعدام الشعور بحقيقة العالم" في المرة الأولى، عندما اختفى تواجد أبي في المنزل بسبب اضطراره للتواجد في بقعة جغرافية أخرى للعمل وتحصيل المال. بعدها علقت في العيش في وهم العالم والشك في كل شيء وأي شيء. توقف شعور وهم العالم من حوالي سبع سنوات، إلى أن عاد انعدام مجدداً منذ ستة أشهر. 5 سبتمبر 2022. 

بدايةً شعرت بالغضب من جراء تعليق هكذا شعور عميق خطير بجسد فاني، متغير، غير ثابت، إلى أن تداعى، وأصبحت أقل عدوانية في محاربته، حين قرأت نص لنيتشه واصفاً فعله المتهور بربط عالمه بكل ما يحمل بوجود جسد آخر، وانهياره إن تلاشى. لو أندرياس سالومي، كاتبة فيلسوفة محلّلة نفسية ألمانية، رغب نيتشه الزواج بها، كانت بشكلٍ ما ملهمته، بقوة شخصيتها وتركيبتها المتينة وقدراتها التحليلية في مجال علم النفس. تعلق بها تعلقاً مرضياً.

رفضت سالومي الكثير من عروض الزواج كما العلاقات العاطفية مع مفكرين وفلاسفة وغيرهم، لاتسام أغلب العلاقات الثنائية (برأيها) بصفات وأدوار كلاسيكية غير قابلة للأداء من قبلها هي شخصياً. رفض نابع من فكر نسوي متمرد على الأدوار المفروضة على النساء حينها، دون وجود رفاهية الاختيار لقسم كبير منهن بطبيعة الحال، سواء أكان السبب اجتماعي، أو طبقي أو سياسي أو جندري. 

المثير للاهتمام هنا أن شعورها "بواقعية العالم" (حسب وصفها) خلق عندما أغرمت بالشاعر ريكله.  تعبيراً منها عن كثافة هذا الشعور، كتبت في أحد رسائلها له: "إنْ كنتُ، خلال أعوام، امرأتك، فلأنك كنت، بالنسبة إليّ، أول واقع محسوسٍ، أول كائن بشري لم يكن لديه فصلٌ بين الجسد والشخص والروح، ببداهةٍ كالحياة. الأمر هنا لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنصفين كانا يبحثان بخوف أو فقد عن بعضهما: تعرف كلانا عن شعور مفاجئ عن نفسه في رعشة. رعشة اتسمت بكلّيةٍ عجيبةٍ، بكلية الحياة، بكلية الواقع".

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.