سابقاً، وبلا فخر، كنت أسخر من " متلازمة القلب المكسور" عندما يشكو أحدهم مصابه وألمه منها، على أنها أكثر الآلام البشرية المبالغ في تقديرها وتأزيمها، مقارنة بما يحصل على هذا الكوكب، في هذه الحقبة، من كوارث عميقة من مجاعات وحروب ومجازر، وتغيير هائل في مناخ ما أن يصل إلى نقطة الذروة، نقطة اللاعودة، حتى يحل "دمار" عالمي مسبباً في غرق مدن بأكملها بالماء، فيما ستعاني المدن الأخرى من الجفاف والتصحر.
القائمة تطول، مستمرة ولا تنتهي.
الآن، أفضل تسميتها "بالقلب المفطور" عوضاً عن "المكسور"، في محاولة درامية لتجنب معاملة القلب معاملة زبدية حساء النودلز أو كأس الماء المصنوع في واحد من معامل الصين، بتكلفة لا تتجاوز الخمسين سنت. وإن كان المشتهى الفعلي استبداله هو وعقلي بلوحين من الزجاج الشفاف من جهة واحدة، والعاكس من الجهة الأخرى.
أفضل معاملته كمعاملة الفطر، النباتات اللازهرية، الفطريات التي تفطر الأرض شقاً من اللامكان، من اللاشيء، مسببة خللاً في استواء التراب لفترة من الزمن قبل أن تذبل أو تتعفن نحو اللاشيء مجدداً.
أبحث عن سببٍ شاعري، سحري، لاستخدام كلمة "مفطور" في العربية، بينما أزيل ما علق من الأعشاب البحرية على شعري، بعد ما أغرقني فيضان مفاجئ من الحزن والألم العميقين، غير المحتملين.
طوفان أغرقني عميقاً، بكل ما لدي من "صدمات طفولة"، وأزمات سابقة غير محلولة، طائفاً أخيراً، بي وبهم وبكل شيء، إلى أقصاه، دون أدوات مواجهة. أو مسدس ملقم معلق على الجوارب الشفافة الطويلة من جهة الفخذ، إذا ما قررت تنفيذ الموت الرحيم تجاه لاوعيي المأزوم.
يسألني المعالج النفسي عن شعور الخوف المهيمن على جزء من عقلي من اختبار ورفض العيش في مرحلة الانفصال وما بعده وإنكاره حتى، خصوصاً وتحديداً تجاه شخص واحد دوناً عن غيره، رغم معرفتي الواسعة والتجربة اللامحدودة المستمرة مع الكثير من الأشخاص. التواصل الذي كونته بعناية وتهور في آن خلال السبع سنوات الماضية، الذي يستدعي في نقطة ما الهاء أو تعويضاً ولو بجزء صغير عن إحساس الفقد.
"الشعور بحقيقة العالم" أجيبه.
اختبرت إحساس "انعدام الشعور بحقيقة العالم" في المرة الأولى، عندما اختفى تواجد أبي في المنزل بسبب اضطراره للتواجد في بقعة جغرافية أخرى للعمل وتحصيل المال. بعدها علقت في العيش في وهم العالم والشك في كل شيء وأي شيء. توقف شعور وهم العالم من حوالي سبع سنوات، إلى أن عاد انعدام مجدداً منذ ستة أشهر. 5 سبتمبر 2022.
بدايةً شعرت بالغضب من جراء تعليق هكذا شعور عميق خطير بجسد فاني، متغير، غير ثابت، إلى أن تداعى، وأصبحت أقل عدوانية في محاربته، حين قرأت نص لنيتشه واصفاً فعله المتهور بربط عالمه بكل ما يحمل بوجود جسد آخر، وانهياره إن تلاشى. لو أندرياس سالومي، كاتبة فيلسوفة محلّلة نفسية ألمانية، رغب نيتشه الزواج بها، كانت بشكلٍ ما ملهمته، بقوة شخصيتها وتركيبتها المتينة وقدراتها التحليلية في مجال علم النفس. تعلق بها تعلقاً مرضياً.
رفضت سالومي الكثير من عروض الزواج كما العلاقات العاطفية مع مفكرين وفلاسفة وغيرهم، لاتسام أغلب العلاقات الثنائية (برأيها) بصفات وأدوار كلاسيكية غير قابلة للأداء من قبلها هي شخصياً. رفض نابع من فكر نسوي متمرد على الأدوار المفروضة على النساء حينها، دون وجود رفاهية الاختيار لقسم كبير منهن بطبيعة الحال، سواء أكان السبب اجتماعي، أو طبقي أو سياسي أو جندري.
المثير للاهتمام هنا أن شعورها "بواقعية العالم" (حسب وصفها) خلق عندما أغرمت بالشاعر ريكله. تعبيراً منها عن كثافة هذا الشعور، كتبت في أحد رسائلها له: "إنْ كنتُ، خلال أعوام، امرأتك، فلأنك كنت، بالنسبة إليّ، أول واقع محسوسٍ، أول كائن بشري لم يكن لديه فصلٌ بين الجسد والشخص والروح، ببداهةٍ كالحياة. الأمر هنا لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنصفين كانا يبحثان بخوف أو فقد عن بعضهما: تعرف كلانا عن شعور مفاجئ عن نفسه في رعشة. رعشة اتسمت بكلّيةٍ عجيبةٍ، بكلية الحياة، بكلية الواقع".

