"النظام الإيراني يمرّ بأزمة خانقة تُوحِي بسقوطٍ وَشيك"
"النظام الإيراني يمرّ بأزمة خانقة تُوحِي بسقوطٍ وَشيك"

إذا كان ثمة ما يدفع باتجاه سقوط النظام الإيراني (مقومات السقوط في المقال السابق)، فإن ثمة ما يدفع باتجاه صمود هذا النظام، وتماسكه في حدّه الأدنى الذي يكفل له الاستمرارية؛ كهياكل تنظيمية متنفّذة؛ وكخط إيديولوجي عام، بصرف النظر عن بقاء ذات الأشخاص في مواقعهم، بل وبصرف النظر عن بقاء الأنظمة والتشريعات التفصيلية المتماسة مع حياة الناس كما هي عليه في الراهن.

لا شك أن النظام الآن يمرّ بأزمة خانقة تُوحِي ـ وخاصة للمراقب من الخارج ـ بسقوطٍ وَشيك. ولكن ثمة ما هو أكثر منها، وما هو أقوى فاعلية، من مقومات الصمود والبقاء. وأهمها ـ في تصوري ـ ما يلي:

1ـ رغم كل هذا الزخم الاحتجاجي، رغم كل هذا الغضب الذي يجتاح الشارعَ الإيراني، وخاصة فئة الشباب منه، فإن هذا لا يعكس كامل الصورة، وربما لا يعكس أهمَّ خطوطها وأخصَّ تلاوينها.

فمقابل ملايين الشباب الغاضبين، هناك أيضا ملايين أخرى أشد فاعلية وأكثر نفوذا؛ مُؤيّدة للنظام، إما لكونها مُستفيدة منه/ من استقراره، بشكل مباشر أو غير مباشر، وإما لقناعة ايديولوجية عابرة للمصالح الفردية والتفصيلية، وإما للأمرين كليهما؛ فهما كثيرا ما يتداخلان، فيلتحق المُتَمَصْلِحون بإدارات الأيديولوجيا المُتَنفّذة، أو يجد المتأدلجون بخط النظام أنفسَهم محظوظين بغير قليل من النفوذ الذي يجنون منه كثيرا من المكاسب على المستوى المادي والمعنوي. 

لقد خلق النظام لنفسه ـ عبر مسيرة زمنية طويلة؛ تتجاوز الأربعين عاما ـ كثيرا من القواعد الايديولوجية، وكثيرا من التنظيمات المُسَاندة عن قناعة أو عن استنفاع، وتربّت على يديه طلائعُ شبابية هي اليوم في عهد الكهولة ترعى ما تحت يديها وما حولها، ارتبطت به عاطفيا ومصلحيا، وأصبحت اليوم لا ترى بدائل له إلا وقوعا في محذورين: تنازلاً عن أصول العقائد القطعية نحو الكفر أو ما هو قريب من الكفر، ووَعيدا بفوضى احترابية لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بمآلاتها، خاصة وأن الصورة المطروحة كبديل للنظام غير واضحة، بل وغير مُتَّفق على الحدود الدنيا منها في صفوف الغاضبين المُحتجّين.

إن الشباب الغاضب المقابل لهؤلاء الموالين للنظام قد يُحْدِث كثيرا من الضوضاء، ولكنه ليس أكثرية في واقع الحال.

إذا كان العمر الافتراضي للشباب بين 20ـ 35 مثلا، فإن ما دون 20 وما فوق 35 أو حتى 40، أكثر بكثير، فضلا عن كون الغاضبين مجرد شريحة طلائعية من هذه الفئة العمرية، وليسوا كلها بطبيعة الحال. ما يعني أن مؤيدي النظام إيجابيا (المناضلون عنه ضد المحتجين عليه)، أو سلبيا (غير المَعْنِيين بهذا الصراع من عموم الناس: الحياد) هم الأكثرية مقابل الشباب الغاضب الذي نشاهده عبر وسائل الإعلام.

2ـ القوة الخشنة (الجيش، والحرس الثوري وفصائله، وأجهزة الأمن)، وتمدّداتها خارج إيران، كلها تضمن ـ بشكل أو بآخر ـ صمودَ النظام، خاصة وأنها كلها ذات مرجعية واحدة ـ روحانية وتنظيمية ـ تقع في صلب النظام. وفي المقابل، لا يمتلك المُحْتَجّون الغاضبون أيَّ تنظيم خَشن من أي نوع، فضلا عن أن يكون تنظيما قادرا على مقارعة أجهزة النظام الأمنية، فضلا عن مقارعة تنظيمات القوات المسلحة: الجيش والحرس الثوري.

إن موقف القوة الخشنة هو الحاسم في النهاية. فثورة الخميني نهاية السبعينيات من القرن الماضي لم تنتصر إلا لأن الجيش تردّد في المواجهة؛ فوقف على الحياد. كما أن احتجاجات الربيع العربي الغاضبة إنما حسمتها ابتداء، أو لاحقا، مواقفُ الجيوش أولا، وأجهزة الأمن ثانيا. وبالتالي، فإن غضب الشباب الإيراني مهما تضخّم؛ لن يحسم شيئا؛ ما دام أن القوة الخشنة لم ترَ أن من مصلحتها الاستثمار في هذا الغضب، فكيف إذا كانت هذه القوة قلبا وقالبا بيد النظام!

3ـ القوة الناعمة أيضا بيد النظام. صحيح أن ثمة معارضين ليبراليين وعلمانيين وطائفيين وعرقيين، وصحيح أن الطبقة المثقفة ثقافة حديثة/ مدنية هي بالضرورة معادية ضمنيا للنظام في كثير من قطاعاتها، أو على الأقل، لديها نفور عميق من النظام ككل، ومن سياسته الداخلية تحديدا، وهي ترحّب بتحويره إلى درجة كبيرة. ولكن، للأسف، كل هذه التيارات التقدميّة لا تُشكّل غالبية؛ مقارنة بالخط الديني الأصولي السائد المؤيد للنظام، والمدعوم من النظام، والذي يرى مستقبله مرهونا بمستقبل النظام.

4ـ القوة الاقتصادية. فارتفاع عائدات النفط منح النظام قوة فائقة، بل فائضة، تمنحه مزيدا من القدرة على المراوغة في عدد كبير من الخيارات المتاحة. والمتكأ الاقتصادي أمرٌ في غاية الأهمية، فمعظم الأنظمة لا تتزعزع، ولا تضطرب، فضلا عن أن تسقط؛ إلا بفعل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تخلق حالة غضب شعبي واسع، بحيث تستثمره القوى الحركيّة الغاضبة لما هو أبعد من الاقتصاد، في مقابل عجز النظام عن تمويل القوى المساندة له ماديا ومعنويا.

5ـ المطالب الاحتجاجية ـ في غالبيتها ـ ليست مطالب جذرية، فهي تدخل في أحد أمرين في الغالب: إما تدخل في المطالبة بالتحسينات الاقتصادية والتنموية، وإما تدخل في المطالبة بانفراج ملموس/ محسوس في مجال الحريات العامة (هذا في حال الوعي الاحتجاجي بالحريات العامة). وعدم الجذريّة هنا، يعني أن مبادرة النظام للإصلاح بمستوى من التحسين الاقتصادي، وبمستوى من التحسين الحُرّياتي؛ من شأنه أن يمتصَّ مَوجاتِ الغضب، أو على الأقل، يُخفّف منها كثيرا. وبالتالي، يَستلّ منها القدرة على الفعل الجذري: إسقاط النظام بكل مستويات الاسقاط المذكورة في المقال السابق.

6ـ عدم وجود إرادة دولية، ولا حتى إقليمية، تسعى بجدية لدعم إسقاط النظام. فكل هؤلاء، دوليا وإقليميا، حتى من يكره النظام، يتوجّس من عواقب إسقاط النظام؛ لأنه من المتأكد أن مَوجاتٍ من الفوضى التي لا يمكن التنبؤ بمآلاتها ستجتاح إيران، ومن ثَمَّ ستفيض على المنطقة بأسرها؛ كارتدادات غير مباشرة للخلل الكبير في دولة محورية في الشرق الأوسط؛ دولة تتقاطع مع كلِّ جيرانها عرقيا ودينيا ومذهبيا زجغرافيا، بل وتحالفا عسكريا وسياسيا.

إن التردّد الدولي والإقليمي في دعم الاحتجاجات وتصعيدها ـ ماديا ومعنويا ـ إلى مستوى ثورة، له ما يُبرّره سياسيا. فلا أحد يعلم إلى أين ستسير الأمور، خاصة وأن الاحتجاجات لا تخضع لتنظيم مُوحّد يمكن محاورته، بل ولا حتى رؤية موحدة، بحيث يمكن ترجيح بعض التوقعات التي ستعقب تزعزع النظام. 

إن المتوقع مبدئيا على العكس، المتوقع فوضوية الاحتجاجات، وتشرذمها، وعدم وضوح مطالبها على نحو تفصيلي، وضعفها في كل مستوياتها (مما يعني عجزها ـ حتى في حال سقط النظام ـ عن فرض أي نظام بديل)، كل ذلك يجعل دعمها غير مجدٍ في حال كان الهدف إسقاط النظام، حتى وإن كان مُجديا في حال كان الهدف إقلاق النظام وإرباكه وزعزعة نفوذه الإقليمي.

7ـ صعوبة تشكيل جبهة واحدة/ مُواجهة مُوحّدة. فإذا كان تشكيل هذه الجبهة الموحدة شرطا أساسيا في تحقيق الهدف الاحتجاجي الممكن: تصعيد المواجهة مع النظام لإجراء كثير من المتغيّرات الجذرية (التي قد تعني إسقاط النظام جزئيا)، فإن هذا التشكيل يبدو مستحيلا في ضوء معطيات الواقع؛ لاتساع الرقعة الجغرافية الإيرانية وتجذرها سكانيا، فَمثلا، بين سُنّة الجنوب وسنة الأكراد في الشمال مسافات كبيرة، وبين المذاهب والأعراق تباين كبير، فالأكراد ـ مثلا ـ معنيون بالمسألة القومية أكثر من الدينية/ المذهبية، بل وأكثر من الحقوقية/ الحرياتية العامة، والعرب الشيعة على الخليج لهم مطالب أخرى. وأيضا، ما يريده الليبراليون المتديّنون يختلف كثيرا عما يُريده العلمانيون القوميون...إلخ صور الاختلاف التي تُشَكّل تقاسيم وَجْه الظاهرة الاحتجاجية (بخلفياتها الكامنة طبعا)، والتي يتعذّر اتفاقها على الحد الأدنى من القواسم المشتركة الضرورية لتشكيل جبهة موحّدة في مواجهة النظام.

إذن، في تقديري، وبناء على ما سبق، لن يسقط النظام الإيراني ولو في الحدود الدنيا من معنى السقوط.

ويبقى أن أفضل حظوظ المعارضة الاحتجاجية الغاضبة هو أن يجري تغيير حقيقي في الحقل الحقوقي/ الحُرّياتي وفي الحقل الاقتصادي.

وبعد كل هذا، يكون الرهان على مستويات التغيير ومجالاته، والدفع بهذا الاتجاه على نحو تصاعدي؛ يتغيا أهدافاً تغييرية/ تقدمية بعيدة المدى؛ بدل التشرنق في الرهان على الظرفي الآني. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.