تقمع قواته بوحشية التظاهرات الشعبية العارمة
تقمع قواته بوحشية التظاهرات الشعبية العارمة

يجد النظام الإسلامي الإيراني نفسه في الأسابيع الأخيرة في حالة حرب وعلى أكثر من جبهة في الداخل والخارج. الجبهة الداخلية تغطي شوارع أكثر من 150 مدينة إيرانية حيث تقمع قواته بوحشية التظاهرات الشعبية العارمة ضد النظام حيث ينادي المتظاهرون "الموت للدكتاتور"، ويطالبون بحرياتهم الأساسية بشجاعة أذهلت النظام، وحازت على احترام واعجاب العالم. أما الجبهات الخارجية فهي تشمل كردستان العراق التي يقصفها النظام الإيراني بصواريخه باسم القضاء على المعارضة الإيرانية التي تنشط هناك، والتي يدعي أنها تنسق مع أميركا وإسرائيل دون أن يقدم أي دليل على ذلك. وأخيرا توسعت الجبهة الخارجية ووصلت إلى قلب أوروبا، عندما أصبح النظام الإيراني طرفا مباشرا في دعم الغزو الروسي لأوكرانيا عبر تزويد القوات الروسية بالمسيرات والصواريخ الإيرانية الصنع والتي تستخدمها روسيا لقصف وترهيب الأهداف المدنية، ولتدمير البنى التحتية، وتحديدا محطات الطاقة الكهربائية لجلب شتاء قارس للشعب الأوكراني.

هذا التصعيد الإيراني في أوكرانيا يهدد بوضع إيران للمرة الأولى في مواجهة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وخاصة في ضوء التقارير التي تحدثت عن وجود للخبراء العسكريين والتقنيين الإيرانية في شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا خلال غزوها الأول لأوكرانيا في 2014 لتدريب العسكريين الروس على استخدام المسيرات والصواريخ الإيرانية.

ومن الواضح أن هناك علاقة مباشرة بين القمع الوحشي المتنامي للانتفاضة الشعبية الإيرانية، التي يقول العديد من الناشطين الإيرانيين، ومعهم عدد متزايد من المراقبين في الخارج، إنها تختلف نوعيا وموضوعيا عن سابقاتها، والتصعيد الاستفزازي للنظام ضد أعدائه الحقيقيين والوهميين في الخارج. وهذا ما بدا سافرا في الزيارة الأخيرة لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري اسماعيل قاآني إلى بغداد حيث حذر القادة العراقيين من أن إخفاقهم في نزع أسلحة العناصر الإيرانية المعارضة التي لجأت إلى كردستان العراق وتسليم اللاجئين الإيرانيين المطلوبين من النظام القضائي، فإن القوات الإيرانية سوف تخترق الحدود وتجتاح كردستان لتحقيق هذه المهمة.

ويأتي هذا السلوك الإيراني الاستفزازي الذي يعكس – من جملة ما يعكسه – حالة القلق العميق التي يشعر بها أقطاب النظام وهم يراقبون الانتفاضة الشعبية مستمرة وبزخم كبير في شهرها الثالث، حيث تشارك فيها مختلف طبقات المجتمع، وبعد أن انتشرت بسرعة إلى جميع أنحاء إيران، وفي غياب أي مؤشرات بأنها مقبلة على نهايتها.

التهديدات التي أطلقها قائد الحرس الثوري حسين سلامي، خلال زيارته الأخيرة إلى مقاطعتي سيستان وبالوشستان في أعقاب قتل أكثر من مئة متظاهر فيها، ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية وفرنسا والمانيا وبريطانيا واتهامها بالتآمر مع المتظاهرين الإيرانيين ضد النظام تخدم سردية النظام القائلة بأن الانتفاضة هي من صنع خارجي. كما أن تهديد إيران باجتياح الأراضي العراقية يمكن أن تؤدي إلى جعل الانتفاضة الشعبية في صلب أزمة إقليمية في حال قامت إيران بالفعل باجتياح كردستان العراق.

كما يأتي هذا التصعيد الإيراني في أعقاب ما يمكن وصفه بالموت غير المعلن لمسودة إحياء الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، والتي تم التوصل اليها في الصيف الماضي وكانت بانتظار الموافقة النهائية للمرشد علي خامنئي، والتي لم تصل حتى الان. في الأسابيع الأخيرة، ومع ازدياد حدة الانتفاضة الشعبية، وبعد الكشف عن الدور العسكري الإيراني في أوكرانيا، بدأ المسؤولون الأميركيون يستخدمون عبارات مثل: الاتفاق النووي لم يعد من بين أولوياتنا، أو وصلنا الى طريق مسدود ونحن لا نركز على الاتفاق الان.

يقول النشطاء الإيرانيون ومعهم عدد متزايد من المحللين في الخارج إن التظاهرات الاحتجاجية التي يواجهها النظام الإسلامي في إيران هذه المرة تختلف عن سابقاتها في 2009 و2019 و2020 لأكثر من سبب. وأبرزها أن الانتفاضة الحالية هي اجتماعية وقادتها منذ البداية شابات وشباب إيران بعد اندلاع شرارتها الأولى بعد مقتل الشابة الكردية مهسا أميني بعد اعتقالها من قبل ما يسمى "بالشرطة الاخلاقية" لأنها لم تكن ترتدي حجابها بشكل لائق، وسرعان ما انضمت اليها مختلف طبقات المجتمع، بما في ذلك العمال. السبب الآخر، هو شجاعة المتظاهرين وإصرارهم على مقاومة قمع عناصر الحرس الثوري بمختلف الوسائل السلمية.

وربما كان الموقف الدولي المتعاطف مع الانتفاضة الشعبية هذه المرة هو العامل الجديد والإيجابي الذي لم يتوفر في السابق، أو لم يصل إلى مستوى متقدم لأسباب سياسية، مثل رغبة الرئيس الأسبق باراك أوباما بالتوصل الى اتفاق نووي مع إيران، أو لأن اقتصاديات الغرب لم تكن تريد المجازفة بخسارة مصادر الطاقة الإيرانية من نفط وغاز أو الرغبة في الاستثمار في إيران. اللافت في هذا السياق هو أن الرئيس اوباما اعترف قبل أسابيع أن موقفه المتردد في دعم التظاهرات الإيرانية في 2009 – لكي لا يعطي النظام حجة اتهام المتظاهرين بأنهم يتعاونون مع واشنطن – كان موقفا خاطئا، وهذا ما كرره أيضا مستشار الأمن القومي جايك سوليفان، الذي كان مسؤولا في إدارة الرئيس اوباما آنذاك.

 هذه المرة رأينا قادة دول غربية كانت تتفادى في السابق اغضاب إيران، يلتقون علنا بمعارضين أو ناشطين إيرانيين ويقدمون لهم الدعم السياسي والمعنوي القوي، كما فعل الرئيس إيمانويل ماكرون مؤخرا، أو ادانة قمع التظاهرات السلمية بقوة ودعم أهدافها السياسية كما فعل المستشار الالماني أولاف شولتز ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو.

الرئيس جوزف بايدن أدان قمع الانتفاضة وأعرب عن اعجابه واحترامه لشجاعة المتظاهرين وخاصة الشابات الإيرانيات، كما أن واشنطن تسعى إلى مساعدة المتظاهرين على الالتفاف على محاولات النظام حرمان المعارضة من استخدام شبكة الانترنت أو وسائل الاتصال الاجتماعي من خلال توفير أجهزة Starlink للمتظاهرين لمساعدتهم على التنسيق فيما بينهم. ويضغط مؤيدو الانتفاضة الإيرانية لإقناع الرئيس بايدن بتخصيص خطاب رئيسي لدعم المطالب الديمقراطية للانتفاضة الإيرانية.

القرار الأخير للنظام الايراني بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60 بالمئة في منشأة فوردو بشكل مخالف لاتفاق 2005 الأمر الذي سيقرّب إيران كثيرا من تخصيب اليورانيوم بنقاوة 90 بالمئة اللازمة لتصنيع القنبلة النووية، سوف يضع الولايات المتحدة – وإسرائيل – على طريق مواجهة عسكرية مع طهران. هذا القرار الأخير للنظام الإيراني، اضافة إلى استفزازاته الأخرى تعني أن المتصلبين في إيران يريدون أن يقولوا للمتظاهرين الإيرانيين وللعالم الخارجي الذي يتعاطف معهم، أن النظام مستعد لأن يذهب إلى أقصى الحدود في استفزازاته الداخلية والخارجية وانه مستعد للمجازفة بالكثير لضمان استمراره في السلطة.

ولكن هذه التهديدات الإيرانية، ورفع مستوى التحالف العسكري والسياسي مع روسيا – وهي دولة منبوذة ومحاصرة اقتصاديا مثل إيران – لا توحي أن حكام إيران يتصرفون بثقة، بل تعكس ادراك قادة النظام انهم محاصرون  ربما أكثر من أي وقت آخر منذ بداية الثورة الاسلامية في 1979، وأن أسس صرح الطغيان الذي حماهم خلال العقود الماضي بدأت تهتز وتتصدع وتقترب من الانهيار.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.