خطابات بوتين أصبحت ارتجالية
لا يمكن الفصل بين النظام السياسي في روسيا وشخص بوتين

في الحالة الروسية يبرز سؤال منطقي هل يمكن الفصل ما بين النظام السياسي الروسي، والرئيس فلاديمير بوتين، وهل يمكن للأول أن يستمر من دون الثاني؟ خصوصا أن هذا النظام بنى شرعيته الهرمية على كاريزما الرئيس القوي الذي أعاد لروسيا احترامها وموقعها الدولي وبات يشكل لشعبه رمزا للعقيدة الوطنية، وقدمته النخب الروسية بأنه رأس الهرم الأيديولوجي للنظام السياسي الروسي.

 فقد تحولت البوتينية في العقد الأخير إلى رأس هرم السلطة، ولكن تداعيات الهزيمة الأوكرانية على الداخل الروسي بكل تشعباتها تركت تداعيات زلزالية على هرم السلطة الذي ثبته بوتين بقواعد عسكرية وأمنية واقتصادية وشعبوية متينة وجلس على رأسه وأصبح زعيم الأمة، وتمكن من التحكم بالموالاة وتدجين المعارضة والفصل ما بين موقعه في الحكم وموقع الأحزاب الحاكمة، وتعامل معها كأحزاب سلطة فقط ليكون هو الحاكم الأوحد وينأى بنفسه عن فشلها في السلطة، ولا يتحمل أعباء الدفاع عنها أمام المعارضة.

عمليا خطط بوتين لأطول فترة حكم مستقرة في تاريخ روسيا الحديثة لكن مشروعه انقلب رأسا على عقب بسبب التداعيات الأوكرانية، فالهزيمة القاسية وانعكاسها على الداخل الروسي أدت إلى أن يصبح هرم السلطة هرما مقلوبا، يأخذ فيه الرأس مكان القاعدة، فأصبح النظام السياسي الروسي واقفا على رأس الرئيس، أي أن الرأس في الأسفل والقاعدة في الأعلى على شكل هرم مقلوب ما يعني انه إذا سقط الرأس سقط النظام.

ولكن من جهة أخرى هناك سؤال أكثر حساسية، هل مسموح أن يسقط النظام في روسيا أو بمعنى آخر، الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة المتوحدة من أجل هزيمة روسيا في أوكرانيا هل تخطط للانتهاء من الجغرافيا السياسية الموحدة لروسيا الاتحادية، وهل هناك من لديه مخططات لتقسيم روسيا إلى أكثر من دويلة أو خلق صراعات بين أقاليمها من أجل إضعاف السلطة المركزية والعودة إلى ما هو أسوأ من المرحلة اليلتسينية؟

 هذه السيناريوهات تحتاج إلى مشاريع فوضى تتشكل عندما يتآكل دور الدولة ويضعف تأثيرها وتتراجع الاستجابة الوطنية لقراراتها، وبحسب المراقبين فإن ردود فعل الشباب الروس السلبية على قرارات التعبئة العامة والتعامل العشوائي من قبل الجهات العسكرية المختصة مع هذا الأمر، أحد أهم الأمثلة التي تكشف عن أمرين: الأول تراجع تعامل المواطن الروسي بجدية مع القرارات الحكومية ومجاهرته بمخالفتها، والثاني تراجع قدرة الدولة على تطويع مواطنيها أو ردعهم أو إجبارهم على تطبيق قراراتها.

حاليا لا يبدو سيد الكرملين في وارد إجراء أي مراجعة لموقفه العسكري أو السياسي أو الاستراتيجي في أوكرانيا، بل يُصر على الذهاب حتى آخر المواجهة، وهو في ذلك يلبي رغبات معسكر الحرب الذي بنى كل عقيدته على شخص بوتين والذي اعتبر أن الحرب مصلحة روسيا بهدف صناعة تاريخ جديد، وهو رغم النكسات والهزائم التي تعرض لها خلال 9 أشهر من عمر الغزو وتقلص الأهداف من التقدم إلى احتلال العاصمة كييف إلى التراجع  للدفاع عن إقليم دونباس، فيما المجهود الحربي الآن يعمل على عدم تكرار سيناريو خرسون شرقا.

 بوتين اليائس تقريبا من تغيير قواعد الاشتباك يراهن على جنرال الشتاء كآخر أوراقه التكتيكية، لذلك تقوم قواته بضربات عنيفة على البنية التحتية الأوكرانية، خصوصا الكهرباء ومحطات التدفئة وطرق النقل لعله يجبر الحكومة الأوكرانية على تخفيف شروطها التفاوضية، وهو يرد من خلال عملية التدمير الممنهج عن بُعد للتغطية على عدم قدرة جيشه على التحرك شتاء بسبب سوء عتاده وفوضى عديده وخوفه من ضربات أوكرانية مباغتة تجبره على التراجع مرة جديدة باتجاه الحدود.

معسكر الحرب الذي رحب بمبادرة الفاتيكان من أجل التفاوض بين البلدين يدرك جيدا أنه غير جاهز لها في هذه المرحلة لأنه يراهن بأن يمنحه  الشتاء فرصة لتحقيق تقدم على الجبهات، ما قد يعزز موقعه على طاولة المفاوضات، كما ان هذا المعسكر المغامر والمقامر لم ير حتى الآن ان المواجهة تهدد سلامة التراب الروسي ووحدته، لذلك لا يرى بفرضية التنازل من أجل سلام حقيقي أمرا ضروريا، كما لا يوجد لأحد داخله قدرة على الاعتراف علانية بالواقع الأوكراني وبمصارحة بوتين حتى عندما تكون المسألة تهدد مستقبل النظام من رأس الهرم إلى قواعده.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.