الشيخ يوسف القرضاوي
الشيخ يوسف القرضاوي

في توصيفهم لمختلف جماعات تيار الإسلام السياسي، يقع البعض في الخطأ الشائع بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين ضمن ما يطلقون عليها مسمى الحركات "المعتدلة" قائلين أن ذلك التيار العريض يشمل أيضاً جماعات أصولية متشددة مثل جماعة أنصار السنة المحمدية وأخرى جهادية عنيفة مثل تنظيم القاعدة.

ويدَّعي هؤلاء أن ممارسة العنف والقتل لدى الإخوان لا تعكس منحى أصيلاَ في فكر الجماعة بل هى أفعال طارئة فرضتها ظروف السجن والتعذيب والتنكيل التي جابه بها النظام الناصري الجماعة وقياداتها، مما دفع الأخيرة ممثلة في الأستاذ سيد قطب لاستحداث فكر العنف والتكفير، وهو الفكر الذي تبرأت منه الجماعة في مرحلة لاحقة كما يزعمون.

هذا الإدعاء تكذبه الأفكار والمبادئ التي تدعو لاستخدام العنف من أجل تحقيق أهداف الجماعة في الوصول للسلطة، وهى المباديء التي وضعها المرشد المؤسس حسن البنا، وعززها من بعد الأستاذ سيد قطب، كما قام أعضاء الجناح العسكري للجماعة (النظام الخاص) بتنفيذها حتى قبل وقوع المواجهات مع عبد الناصر. 

وتأتي من بين تلك الأعمال العنيفة، حادثة اغتيال رئيس الوزراء المصري الأسبق، محمود فهمي النقراشي، في 28 ديسمبر 1948 على يد عضو النظام الخاص،عبد المجيد أحمد حسن، في أعقاب إصدار الأول قراراً يقضي بحل الجماعة.

في مذكراته التي نشرها تحت عنوان : "ابن القرية والكُتَّاب .. ملامح سيرة ومسيرة"، تحدث الدكتور يوسف القرضاوي عن تلك الحادثة قائلاً : (وكان الذي قام بهذا العمل طالبا بكلية الطب البيطري بجامعة "فؤاد الأول" بالقاهرة، اسمه "عبد المجيد حسن" أحد طلاب الإخوان، ومن أعضاء النظام الخاص، الذي قُبض عليه في الحال، وأودع السجن، وقد ارتكب فعلته، وهو يرتدي زي ضابط شرطة، لهذا لم يُشَك فيه حين دخل وزارة الداخلية، وانتظر رئيس الحكومة، حتى أطلق عليه رصاص مسدسه).

ويوضح القرضاوي موقفه الشخصي وموقف شباب الإخوان المسلمين وطلابهم من عملية الاغتيال بالقول : 
(ولقد قابلنا - نحن الشباب والطلاب - اغتيال النقراشي بارتياح واستبشار ، فقد شفى غليلنا ورد اعتبارنا ومما أذكره أني نظمت بيتين في هذه المناسبة - يعبران عن ثورة الشباب في هذا السن - خطابا لعبد المجيد حسن قاتل النقراشي ، كان الطلاب يرددونهما ، وهما :
عبد المجيد تحية وسلام  **  أبشر فإنك للشباب إمام
سممت كلبا جاء كلب بعده  **  ولكل كلب عندنا سمام

ولكن " الكلب" أو "العير" - كما عبر بعضهم - الذي جاء بعد المقتول، استمر أشد من سابقه وأقسى وأفظع، ولم يُخِفْه ما حدث لسلفه، بل بالغ في القسوة والتنكيل والتشديد. وهذا ما جربه كثيرون في مثل هذه الأحوال: أن يُغتال رئيس أو حاكم، فيخلفه من هو شر منه وأسوأ بمراحل ومراحل، حتى ينشد الناس:
رُبَّ يوم بكيت منه، فلما * صرت في غيره بكيت عليه ! ).

من الجلي أن الفرحة الغامرة التي أصابت شباب الإخوان لم يك دافعها حماسة الشباب وعنفوانهم الذي يجعلهم يندفعون بالعاطفة نحو الانتقام من الشخص الذي قام بحل جماعتهم كما توحي بذلك كلمات القرضاوي، بل كان دافعها الأساسي هو الأفكار والمبادئ والمفاهيم التي نشأوا وتربوا عليها والتي يقع في قلبها موضوع استخدام العنف والقوة في مواجهة المختلفين.

وكذلك فإن القاتل عبد المجيد حسن لم ينفذ عملية الاغتيال من تلقاء نفسه، بل تلقى أوامر مباشرة من الرجل الأول في النظام الخاص (جهاز تم إنشاؤه بمعرفة وعلم المرشد المؤسس) ،عبد الرحمن السندي، ولم يك أمامه أية خيار آخر ذلك أنه قد أدى "البيعة" التي تلزمه بإتباع الأوامر دون مناقشة.

ويقول نص البيعة الإخوانية : ( أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصا في جماعة الإخوان المسلمين، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثرة عليَّ، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله على ما أقول وكيل، (فمن نكث فإنما ينكُث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما).

ووفقاً لنص البيعة أعلاه فإن عضو الجماعة يتنازل طوعا عن حقه في التفكير وإبداء الرأي في مختلف القضايا ويمنح هذا الحق حصرياً للمرشد أو القيادة "وعلى ألا أنازع الأمر أهله"، ويفسِّر هذا الجانب من جوانب البيعة قيام الأعضاء بتنفيذ مهام قد لا يدركون عنها شيئاً بسبب تنازلهم عن حقهم في المعرفة، وهذه المهام يمكن أن تكون على قدر عال من الخطورة بما في ذلك القتل.

وبحسب المؤرخ المصري الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه "الإخوان المسلمون والتنظيم السري" فإن عبد المجيد حسن قال في التحقيق معه أن أشد وسائل التأثير وقعاً عليه كانت : الدراسات الروحية والبيعة والاعتقاد بمشروعية الأعمال.

وتتمثل أهمية هذا العنصر من عناصر التأثير، كما يقول الدكتور عبد العظيم، ليس فقط فى دفع عبد المجيد إلى اغتيال النقراشي دون إحجام أو تردد وكما رُسِم له وإنما تتمثل فى أن زوال هذا العنصر عنه فيما بعد قد دفعه إلى الاعتراف بكل ما صدر عنه، فحين أطلعه النائب العام على البيان الذي أصدره حسن البنا وفيه ُيظهِر أسفه على حادث الاغتيال وفيه معنى إستنكار الجريمة، كان لهذا البيان أثر كبير فى حمُلهِ على الاعتراف، فمع تمسكه فى البداية بالإنكار إلا أن مفعول البيان دفعه إلى التفكير ثم الاعتراف.

قد أسهم بيان حسن البنا في استعادة عبد المجيد حسن لوعيه الذي تم إستلابه تحت تأثير البيعة، وأدرك الأخير أن القيادة التي منحها عقله وتنازل لها طوعا عن حقه في المعرفة والتفكير قد غرَّرت به ودفعته للقتل ثم تنصلت عن مسؤليتها عن كل ذلك !

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.