جانب من حفل افتتاح مونديال قطر
جانب من حفل افتتاح مونديال قطر

كُتب الكثير عن تنظيم قطر لبطولة كأس العالم وسيُكتب عنه بعد انتهائه أكثر، وستُساعد تجربة هذا المونديال في إضافة شروط على الدول التي ستتقدّم "لاستضافة" بطولات عالمية في المستقبل، بأن تكون محايدة وتركز على ما يجمع البشر، لا على ما يفرقهم، وأن لا تروج لخطاب الكراهية لأي سبب، وفي الأساس كلمة استضافة توضح أن أول ما هو مطلوب من البلد المُضيف هو توفير جو مريح لكافة الفرق والمشجعين مهما اختلفت ثقافتهم ومعتقداتهم والبلدان التي أتوا منها. 

ولكن الإسلاميين يؤكّدون مرة بعد أخرى أن ما يقصدونه باحترام العقائد هو احترام معتقداتهم فقط، فعندما يترك المسلمون بلدانهم البائسة ويهاجرون إلى دول الغرب يُطالب الإسلاميون دول الغرب باحترام ثقافة ومعتقدات هؤلاء المهاجرين، وعندما يأتي سياح أو زوار إلى بلاد إسلامية يُطالب الإسلاميون الزوار باحترام مُعتقدات البلاد الإسلامية التي يزورونها، بينما لا يحترم الإسلاميون معتقدات بقية الشعوب ويعتبرونها كفرا وضلالا. 

وعندما تقدمت قطر بعرضها لاستضافة المونديال، كان الانطباع السائد بأنها دولة صغيرة ثرية تريد أن تضع نفسها على خارطة العالم، عبر استضافة أهم حدث رياضي وهذا من حقها، ولكن قبل الافتتاح ببضعة أيام بدت مؤشرات على أن الدولة المضيفة تريد استغلال المونديال كمنبر للدعوة للإسلام السياسي، ثم أكّدت من خلال الوسائل التي اتّبعتها في هذه الدعوة أن الإسلاميين منفصلون تماماً عن الواقع والعصر الذي يعيشون فيه. 

فقد قامت جهات دعوية بحض بعض المشجعات الأجنبيات على تجربة إرتداء الحجاب ضمن حملة قالوا إن هدفها التعريف بالإسلام والحجاب، ونشر الوعي حوله، وقالت إحدى مُنظّمات هذه الحملة على قناة إعلام رئيسية، "إنها أتت تلبية لدعوة السلطات القطرية للمحافظة على عاداتنا وتقاليدنا ولكي (نُجبر) القادمين على أن يحترموننا ويحترموا عاداتنا وتقاليدنا، وكرد على هجمة الإعلام الغربي على الإسلام والمسلمين، لأن كثير من القادمين عندهم أفكار سيئة عن الحجاب بسبب الإعلام الغربي". 

ويُفهم من هذا القول أن الإسلاميين مازالوا يروّجون لوجود حرب من دول الغرب على الإسلام وأن هذه الدول هي السبب في انتشار موقف سلبي من الحجاب، ولكنهم لو كلّفوا أنفسهم عناء النظر من قطر نحو الشرق لشاهدوا ثورة النساء في إيران، والتي كان أحد أهم أسبابها رفض الحجاب، ورغم القمع الوحشي الذي أدّى إلى مقتل مئات النساء والرجال الإيرانيين، فقد أنهت هذه الثورة شهرها الثالث ومازالت مستمرة. 

بل كان بإمكان هؤلاء الدعاة مُشاهدة أعضاء الفريق الإيراني في الدوحة وهم يتضامنون مع الإحتجاجات في بلدهم، من خلال عدم ترديد نشيد الجمهورية الإسلامية، وكذلك لو كلّف الإسلاميون أنفسهم عناء النظر من قطر غرباً، لرأوا كيف تطورت خلال سنوات أحوال النساء في السعودية، نحو مزيد من الانفتاح حتى أصبح بالإمكان مُشاهدة عشرات الفتيات السعوديات في مونديال قطر بدون حجاب. 

كما ظهر نفس التوجّه الإسلامي في موضوع الأذان، فقد قالت مواقع إسلامية، "صوت الأذان يُذهل المشجّعين في مونديال قطر"، أي أن الإسلاميين مازالوا يصرّون على استخدام الأذان كسلاح في حروبهم الوهمية مع بقية العالم، والتي بدأوها قبل عقود مع "الصحوة الإسلامية"، فبعد أن كان الأذان في الماضي صوتا شجيا خافتا يأتي من بعيد لتذكير المستيقظين بلطف بموعد الصلاة، أصبح بعد "الصحوة" صوتا مرتفعا هدفه إيقاظ النائمين. 

وبما أنه "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، فقد أثار هذا الأذان استياء بعض الشعوب التي اضطرت إلى منعه عبر مكبرات الصوت، وقالت بعض الدول الأوروبية إنها منعته لأنه "يُسبب ضوضاء وإزعاجا للسكان"، وفي الهند أزيلت مكبّرات الصوت من المساجد وفي رواندا تمّ منع استخدام مكبّرات الصوت في صلوات الصبح والمغرب والعشاء، حتى أنه تم وضع حدود لصوت الأذان في دول إسلامية مثل السعودية وإندونيسيا، بما يدل أيضا على أن الإسلاميين لم يتعلموا شيئا من ما حدث خلال السنوات الماضية. 

أما في موضوع المثلية الجنسية، فالعالم يعتبر أن الانجذاب الشعوري أو الرومنسي أو الجنسي بين أفراد من نفس الجنس موجود على مرّ التاريخ، وعند مختلف الشعوب، بل إن الانطباع السائد أنها أكثر انتشارا في المجتمعات المُغلقة التي تمنع الاختلاط بين الجنسين، وإذا توفرت عند الدول الإسلامية درجة شجاعة كافية فبإمكانها معرفة حجم هذه الظاهرة ودرجة انتشارها داخل مجتمعاتها عبر إجراء دراسات وإحصاءات مُحايدة تُراعي خصوصية وسرية المعلومات، أما صُراخ بعض وسائل الإعلام والمبالغة في الهجوم على العلاقات المثلية، وكأنها ظاهرة محصورة في دول الغرب فلا يرى فيها العالم سوى استمرارا في سياسة الإنكار والتستّر على علاقات موجودة في المجتمعات الإسلامية مثل غيرها. 

ثم لجأ الإسلاميون إلى انتقاء نصوص دينية معينة يرون أنها تُعطي صورة أفضل عن الإسلام في الخارج، واختاروا في المونديال الآية "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقالوا من خلالها أنه لا فرق في الإسلام بين الذكر والأنثى إلا بالتقوى، وهذا يدل على أنهم يعرفون أن المساواة بين الجنسين أكثر قبولا في عالم اليوم. 

ولكن المراكز الإسلامية في قطر وغيرها من الدول الإسلامية ترى أن الرجال قوّامون على النساء وأن الرجل هو الراعي المسؤول عن أهل بيته تربية وتعليما وتهذيبا وتقويما، ونتيجة لانعدام المساواة يحق للرجل المسلم شرعا الزواج بأربع نساء، وأن يرث ضعف نصيب المرأة، وأن تعادل شهادته في المحاكم شهادة اثنتين من النساء، ولا ترى المراكز الإسلامية في هذا التمييز أعرافا قبلية كانت سائدة في العصور القديمة مثلها مثل العبودية والسبي والعقوبات البدنية كقطع الأطراف والرجم والجلد ثم تجاوزها الزمن، بل تراها أحكاما صالحة لكل زمان ومكان، أي أن استخدام الآية في المونديال كان محاولة لتجميل الإسلام بعيون الآخرين عبر استخدام نوع من الخداع لأنه لم يترافق مع أي سعي لإعادة قراءة النص الديني بما يحقق المساواة بين الجنسين. 

وكذلك قالوا إن الآية تعني أنه في الإسلام لا يوجد فرق بين شعب وآخر إلا بالتقوى، ولكن نفس المؤسسات الإسلامية تقول إن المسيحيين الذين يشكّلون ثلث سكان العالم كفّار، وذلك لأن هذه المؤسسات مازالت تعتمد نصوصاً دينية تشير إلى ذلك مثل الآية "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، فإذا كانت هذه الآية صالحة اليوم لوصف العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فإن الاية التي تم ذكرها في الافتتاح لم تكن أكثر من خداع لغير المسلمين.  

وفي النهاية أكّد هذا المونديال على أن الإسلاميين لم يستفيدوا مما حدث في العالم خلال العقود الماضية، بل ربما مازال بعضهم يعتقد أن "صحوة" إسلامية جديدة ستحدث بمجرّد إنفاق بعض الأموال عليها، مع أنه لم يبق من صحوة الثمانينات سوى أنظمة فاشلة في إيران وأفغانستان وميليشيات تتحكّم بقوة السلاح ببعض المجتمعات سيئة الحظ في غزة وإدلب وجنوب العراق ولبنان، أما أحزاب الإسلام السياسي فقد أصبحت في أسوأ حالاتها بعدما تأكًد أنه ليس لديها برامج حقيقية للحكم والذي إنعكس في حدوث خلافات وإنشقاقات فيها. 

وحتى الآن تقول المؤشرات أن هذا المونديال كان ناجحاً من ناحية كرة القدم التي يجمع الإسلاميون على كراهيتها مهما إدّعوا خلاف ذلك، ولكنه لم يكن ناجحاً من ناحية الترويج لثقافة الكراهية والتشدّد الديني بإستخدام وسائل دعاية مباشرة ومُنقرضة، ويجب أن يكون الشخص على درجة كبيرة من السذاجة أو العمى الإيديولوجي حتى يعتقد أن أفواجا من الناس ستدخل الإسلام بعد الذي شاهدته في كأس العالم في قطر. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.