Soccer Football - World Cup - Asian Qualifiers - Group A - Iran v Iraq - Azadi Stadium, Tehran, Iran - January 27, 2022 Iran…
مشجعات إيرانيات في بطولة كأس العالم في قطر

ترفع الفيفا شعارا "في كرة القدم لا مكان للسياسة"، وواقع الحال أن كل الإسقاطات السياسية تحضر في مونديال قطر، وأطرف ما قرأته قبيل المواجهة بين فريقي أميركا وإيران أنهما لأول مرة تخوضان الصراع خارج العراق.

آخر مرة التقت أميركا وإيران في كأس العالم كانت عام 1998 في فرنسا، وأطلق عليهما رئيس اتحاد كرة القدم الأميركي، آلان روتنبرغ اسم "أم المباريات"، وتعود المواجهة مرة ثانية بعد 24 عاما في الدوحة والصراع بين البلدين محتدما، وشوارع طهران تشتعل بالاحتجاجات منذ ما يزيد عن شهرين ونصف الشهر بعد مقتل مهسا أميني على أيدي شرطة الأخلاق.

في أول مباراة لإيران أمام منتخب انجلترا التقطت عدسات المصورين امتناع لاعبي إيران عن ترديد النشيد الوطني لبلادهم، وفُسّر ذلك على أنه تضامناً مع المحتجين والمحتجات في الشوارع الإيرانية، ولم يكن مخفياً وجود يافطات في المدرجات تذكر بالانتفاضة، والقمع الذي يتعرض له الناس في طهران، والمدن المختلفة. 

حين كنت أشاهد مباراة أميركا وإيران همست بأذن صديقي ساخراً، هل سيُهدي لاعبو إيران الفوز لغريمهم أميركا عقاباً لنظامهم السياسي؟

عام 1998 فازت إيران وهُزمت أميركا، وفي الدوحة انتصر المنتخب الأمريكي، وخرجت إيران من البطولة، ولا أعرف إن كانت ستتهم "قوى الشر" بالمؤامرة ضدها في المونديال، مثلما تتهم أجهزة غربية وعربية أنها وراء إشعال المظاهرات في إيران، ويقول مُرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي إنها من تصميم أميركا والنظام الصهيوني. 

في 16 من شهر سبتمبر/أيلول الماضي قُتلت الشابة مهسا أميني، التي تبلغ من العمر 22 عاماً بعد أن احتجزتها شرطة الأخلاق في طهران لأنها ترتدي الحجاب بطريقة غير لائقة، واتُهمت بارتداء ملابس غير محتشمة، ودخلت في غيبوبة بعد الاعتداء عليها بالضرب، وفارقت الحياة، ومنذ ذلك اليوم وحتى اللحظة لم تهدأ التظاهرات في الشوارع الإيرانية، ولم تستطع القبضة الحديدية لـ "الباسيج" أن تضع حداً لما أُطلق عليه "انتفاضة الحجاب".

هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة في سلسلة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، ومنذ الثورة الإسلامية التي قادها الخميني عام 1979 وكرة الثلج تتدحرج، وتكبر، والصراع بين السلطة والمجتمع ينمو، ويتخذ شعارات مختلفة، ومنذ الحركة الخضراء التي جاءت بعد اتهام الإصلاحيين للسلطة السياسية بتزوير الانتخابات لمصلحة الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، وأشكال التمرد، والاحتجاج لم تتوقف، وعامي 2017، و2019 كانا حافلين بالتظاهر ربما لأسباب تبدو اقتصادية احتجاجاً على غلاء أسعار المشتقات النفطية، لكنها كانت تجد تعبيرات سياسية واجتماعية.

الاحتجاجات المستمرة في إيران عنوانها الدفاع عن الحريات الشخصية، والصراع مع النظام الذي يحاول أن يفرض قسراً على المجتمع رؤيته، ولهذا ففي وسائل الإعلام من يصورها بثورة لإسقاط "العمائم" رمز السلطة الدينية، وتنتشر فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يقومون بإسقاط العمائم عن رؤوس رجال الدين الإيرانيين في المدن، والأحياء.

لا توجد مصادر موثوقة لعدد القتلى والمعتقلين منذ اندلاع الاحتجاجات في إيران، لكن المنظمات الحقوقية تُشير إلى أن السلطات وجهت الاتهام إلى ما يقارب 15 ألف شخص، ولائحة الاتهام تطول، وتبدأ بالتجمع والتآمر ضد البلاد، مروراً بالدعاية ضد النظام، والشغب، والتحريض على العنف، والإخلال بالنظام، وإلحاق الضرر بالممتلكات، وإصابة رجال الأمن بجروح، وهذه الاتهامات تتزامن مع معلومات عن إصدار أحكام إعدام بحق بعض المحتجين. 

لا أختلف مع الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، أن الغرب منافق، ويكيل بمكيالين، وقوله في خطابه في الأمم المتحدة "كل يوم يموت رجال ونساء في مواجهات الشرطة، ولكن هذا العنف لا يُثير الحساسية"، كلام قد يجد الكثير من المناصرين، ويكفي أن تعود بالذاكرة لما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بحق الفلسطينيين العُزّل منذ عقود لتكفر بكل شعارات حقوق الإنسان التي ترفعها دول الغرب بانتقائية حين تُريد، وتغض النظر عنها حينما تُريد، وحتى المفارقات، والمواقف التي اتخُذت منذ الحرب الروسية على أوكرانيا تُثير الشهية لالتقاط المتناقضات، والمعايير المزدوجة التي يجري ترويجها بوقاحة. 

توظيف الغرب للانتفاضة في إيران لإسقاط، أو إضعاف، نظام "الملالي"، يجب أن لا يحجب الرؤية، والحقيقة، أن في إيران ظلم واستبداد ضد الشعب، وأن مناصرتنا للنساء الإيرانيات، وللشباب موقف حقوقي، لا ينفصل عن الإيمان بحق الشعوب بالحرية، والكرامة الإنسانية.

صُعّدت منذ انطلاق شرارة الاحتجاجات الضغوط على طهران، روبرت مالي المبعوث الأمريكي لإيران يُعلن أن إدارة بايدن لن تضيع الوقت في محاولة إحياء صفقة -المقصود الاتفاق النووي- فيما طهران تهاجم المتظاهرين في الداخل، وتدعم روسيا في أوكرانيا، ومجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف أن 9 دول أوروبية تعتزم توسيع العقوبات المفروضة على إيران، وخاصة لمن مارس العنف ضد المحتجين.

المواقف الغربية لا تواجهها القيادة الإيرانية بالصمت، والانحناء، وإنما بالتلويح بالتهديد، ووزير الأمن الإيراني، إسماعيل خطيب يقول "إيران انتهجت حتى الآن منهج العقلانية والرصانة، والصبر الاستراتيجي، ولكنها لا تقدم ضماناً باستمرار هذا الصبر في حال استمرار العداء"، "وول ستريت جورنال" تكشف أيضاً أن الرياض شاركت معلومات استخبارية مع واشنطن حول هجوم إيراني مرتقب، وردت الخارجية الإيرانية أنها اتهامات لا أساس لها من الصحة. 

في الداخل الإيراني، وفي الخارج ما تزال الأزمة محتدمة، وتُلقي بظلالها، ومخاوفها، والمعلومات المتوافرة أن 451 شخصاً قُتلوا من بينهم أطفال حتى قبيل نهاية شهر نوفمبر، والمحاكم الثورية الإسلامية استُخدمت كأداة لإصدار أحكام جائرة ضد المحتجين، والسياسيين، والصحفيين، ولهذا فإن المقررين الخواص الذين يعينهم مجلس حقوق الإنسان دعوا إلى إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة لضمان مساءلة إيران، وعدم الإفلات من العقاب، وحذروا من استخدام عقوبة الإعدام لسحق الاحتجاجات، وطالبوا بالإفراج الفوري عن المتظاهرين الذين حُرموا تعسفياً من حريتهم، وفي نهاية المطاف قرر مجلس حقوق الإنسان تعيين فريق تحقيق لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. 

السؤال الذي يُطرح؛ هل سيكون مقتل مهسا أميني سبباً في سقوط النظام الإيراني، وهناك من يضع مقاربة مع ماحدث في تونس إبان الربيع العربي، والصفعة التي تلقاها البوعزيزي وكانت الشرارة لثورة الياسمين التي أسقطت نظام بن علي؟ 

لا أعتقد أن الجمهورية الإسلامية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد الاحتجاجات، ولكنها تضع النظام على الحافة، وتأكل من رصيده الذي ينحسر، وتثخنه بالجراح، ويطبق الحصار عليها أكثر، ويرى العالم أن الوقت قد حان لمزيد من الضربات حتى يسقط، أو يخضع.

مقتل مهسا أميني وجد صداه في المونديال ومجاهرة لاعبي المنتخب الإيراني في الاحتجاج، ورفض ترديد النشيد الوطني أمر ليس سهلاً، و"CNN" نسبت لمصدر معني بأمن المباريات في كأس العالم، أن عائلات لاعبي المنتخب الإيراني تعرضوا للتهديد بالسجن، والتعذيب، إذا لم يُحسن اللاعبون التصرف، وقيل أن اللاعبين بعد مباراة انجلترا استدعوا للقاء مع أعضاء من الحرس الثوري الإيراني.
مواقف اللاعبين في المونديال امتداد لمواقف كثيرة في إيران، فأسطورة كرة القدم الإيراني، علي دائي أعلن أنه تلقى تهديدات بسبب مساندته للمحتجين، ولاعب كرة القدم المعروف، فوريا غفوري الذي ينحدر من أصول كردية أُعتقل، لأنه ساند الاحتجاجات، ولاحقاً ترددت معلومات بالإفراج عنه، وحتى ابنة شقيقة المرشد الأعلى، واسمها فريدة مراد خاني وصفت نظام بلادها بالمجرم، وقاتل الأطفال، وكتبت شقيقتها على تويتر أنها اعتُقلت.

ما بين مرشد للثورة يعتبر المحتجين مشاغبين وبلطجية، وعالم يعتبر مهسا أميني أيقونة للثورة، لا يبدو أن حمام الدم سيتوقف قريبا، وها هو الأمير رضا بهلوي، ابن الشاه أخر ملوك إيران، يطالب الأمم المتحدة بإجراء تحقيقات متعددة الجنسيات، وفي مواجهته يرى خامنئي أن لا أحد يجرؤ على تقويض الجمهورية الإسلامية؛ فهي شجرة ثابتة. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.