People visit the FIFA World Cup countdown clock in Doha on October 23, 2022, ahead of the Qatar 2022 FIFA World Cup football…
قطر تعد أول دولة عربية تستضيف المونديال.

تابعت فيديو يظهر فيه، في قطر، داعية شهير يردد الشهادة، التي تكررها خلفه مواطنة أوروبية أو أميركية. بعد ترديدها الشهادة، يهلل الداعية والحضور حوله مبتهجين بدخولها الإسلام.

الفيديو صُور في الشارع العام على شاكلة الحوارات التي نوقف فيها مواطنين مارّين في الشارع لنسألهم عن رأيهم في قضية ما. فهل، بمجرد ترديدها الشهادة، تُعتبر هذه السيدة مسلمة، حتى وهي على الأرجح لم تتعرف على شيء يتعلق بالإسلام باستثناء ما كانت تعرفه سابقا؟ أي إسلام اختارت: السني أم الشيعي (ولو أن الجواب واضح من شخصية الداعية)؟ أي مذهب؟ أي معرفة عندها بالإسلام؟

مثل هذه الفيديوهات التي تود تقديم الحادثة كنجاح مبهر للإسلام، هي في الحقيقة ما يهينه! هل يمكننا أن نوقف عشرة أشخاص في الشارع ونسرد عليهم الشهادة ونطلب منهم ترديدها خلفنا، ليصيروا بذلك مسلمين؟ هل بهذه السطحية ننتصر للإسلام، أو لأي دين أو قضية أخرى؟ 

في الحقيقة، أن يدخل الإسلام 500 شخص أو 700 أو ألف، وأن تحتفلَ بذلك أو تعتبره انتصارا، هو تسطيح منك لهذا الدين الذي تريد أن تفخر به. من أصل 8 مليارات من الأفراد في هذا العالم الواسع، ما القيمة العددية لخمسمائة أو سبعمائة شخص؟ وهل تؤمن حقا أن دينا "ينتصر" بدخول بضع مئات إليه؟ وهل مجرد ترديد هؤلاء للشهادة، هو كاف لنحتسبهم ضمن مجموع المسلمين؟ 

بالمقابل، هل نحتسب عدد "الخارجين من الإسلام"، والذي، في الواقع، لا يكتفون بترديد جملة أمام الكاميرا ليتركوا الإسلام، بل يعيشون في أغلب الحالات مسارا طويلا من الأسئلة قبل أن يقرروا ذلك؟ 

نظرية التفوق العددي التي تريد أن نؤسس لها تتحطم أمام معطيات الواقع. حسب استطلاع رأي لمعهد "وين غالوب" لاستطلاعات الرأي سنة 2012، فقد صرح 19٪ من المستجوبين في السعودية لوحدها أنهم لا دينيون و5٪ بأنهم ملحدون، بما يعني، عدديا، مليون سعودي ملحد و4 ملايين لادينيين. هذا لا يعني أن الذين يعدون أنفسهم ضمن الملحدين (والذين لا يستطيعون الوقوف أمام كاميرا والاحتفال بذلك تحت تصفيقات المارة)، يوجدون في السعودية فقط، بل أيضا في المغرب ومصر وتونس والكويت وغيرها من الدول. في مجموع دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بلغت نسبة من صرحوا بأنهم ملحدين، حسب نفس استطلاع الرأي، 2٪ من المجموع العام للساكنة، بما يعني حوالي 370 مليون مواطن وُلِد معظمهم مسلمين!

فماذا نفعل بهذه الملايين ونحن نحتفي بالخمسمائة أو الستمائة الذين دخلوا الإسلام في قطر؟ هل نعتبر هذه "هزيمة" للإسلام؟

الحقيقة أن لا هؤلاء يهزمون الإسلام ولا من يدخلونه يقوّونه! ببساطة، لأن ليس هناك دين ينتصر بدخول أشخاص له ولا دين ينهزم بخروج أشخاص منه، بعض النظر عن أعداد الداخلين إليه وأعداد الخارجين منه.

الإسلام يوجد ضمن الديانات الأكثر انتشارا في العالم (إلى جانب البوذية والمسيحية). ومن العبث أن نذهب لمباراة رياضية لمحاولة زيادة العدد ببضع مئات، وبطريقة سطحية جدا، تختزل الدين في مجرد نطق الشهادة. بنفس المنطق، هل سنقبل في دورة 2026، في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، أن يسعى تبشيريون لتحويل مشجعي فرق الكرة القدم القادمين من الشرق الأوسط ومن شمال إفريقيا، إلى المسيحية؟ كيف سنتفاعل مع فيديوهات لـ "دعاة" بوذيين يحولون مسلمين للبوذية (علما أنه من المستبعد أن نجد مثل هذه الأشكال التسطيحية للدين والتدين خارج شطحاتنا)؟ 

ثم، منطقيا، كيف نقبل أن شخصا يمر في الشارع، يقف أمام الكاميرا ليردد جملة أو جملتين، مهما كانت قداسة هاتين الجملتين في معتقداتنا، لنعتبر بأنه انتمى رسميا لديانة معينة، بل ونفتخر بذلك؟ لو مارس شخص من ديانة أخرى نفس السلوك، لكنا سخرنا منه لأنه يعتبر مجرد نطق جملة أو جملتين انتماءً لديانته؛ دون معرفة ووعي وإيمان حقيقي!

إن "فلكلرة الدين"، بمعنى تحويله لفلكور شكلي، هي أسوأ ما يفعله بعض الدعاة والمتدينين بالإسلام. حين سيتوقفون عنها، سيرجع اختيار البعض للإسلام إلى معناه الحقيقي والأصيل: اختيار فردي لا يؤثر على تطور مجتمع ولا على قوة دين معين. تماما كما قرار البعض الآخر الخروج منه. لا هؤلاء يقوونه ولا أولئك يضعفونه! اللهم إذا كان الدين عندنا مثل كاميرا خفية نغافل بها الناس في الشارع لنصنع الفرجة!
 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.