المنتخب السعودي حقق مفاجأة بفوزه على الأرجنتين
المنتخب السعودي حقق مفاجأة بفوزه على الأرجنتين

تمتع كثيرون منا بمشاهدة مباريات كرة القدم ضمن مسابقة كأس العالم (المونديال)، التي تقام في الوقت الحالي في العاصمة القطرية الدوحة. ومما لا شك فيه أننا رأينا مباريات رائعة وأداء فنيا رائعا من العديد من الدول ومن أبرزهم المملكة العربية السعودية، والتي هزمت وبجدارة واحدة من أفضل دول العالم – إن لم تكن أفضلها على الإطلاق - وهي الأرجنتين بقيادة ميسي. وأكملت المملكة العربية السعودية مباريات في غاية القوة والإبداع مع بولندا والمكسيك ولولا إصابة 3 لاعبين أساسيين في المنتخب السعودي بإصابات منعتهم من اللعب لربما شهدنا نتائج مختلفة تماما وصعودا للمنتخب السعودي إلى الدور التالي ولربما أكثر من ذلك بكثير. 

ووسط هذا الزخم الكروي والأداء الفني الرائع للمنتخب السعودي يخرج علينا اللاعب المعروف والمعلق الكروي حاليا "أبو تريكة" بتصريح بعد فوز السعودية على الأرجنتين، ليقول فيه بصيغة الفخر أن "علم لا إله إلا الله يرفرف في سماء المونديال". 

وأتعجب كثيراً من هذا التعليق لأن نفس العلم الذي به "لا إله إلا الله" لم يمنع هزيمة المنتخب السعودي بثمانية أهداف نظيفة من المنتخب الألماني في أولي مباريات مونديال (2002)!  

ويبدوا أن السيد "أبو تريكة" كان صعباً عليه أن ينطق بالحقيقة هنا، وهي أن الإعداد الجيد للفريق السعودي كان وراء هذا الأداء المشرف، الذي رأيناه جميعاً ف سواء في الملعب أو على شاشات التليفزيون. 

ولست متعجباُ من موقف "أبو تريكة" لأن الإشادة بإعداد المنتخب السعودي تعني الإشادة بإدارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والتي تحرك المملكة إيجابياً في اتجاهات لا تعجب أبو تريكة مثل إحتضان الفن والإبداع ومقاومة التطرف. فما رأيته في أداء المنتخب السعودي المشرف في كأس العالم الحالي ما هو إلا جزء من منظومة نجاح وتقدم للدولة السعودية في كافة المناح ومنها الرياضة وكرة القدم. 

وللأسف الشديد فإن محاولة الزج بالدين حتى في رياضة كرة القدم كما فعل أبو تريكة لها تأثيرات سلبية عديدة. فلو كان تقييم الدين الإسلامي بأدائه في مباريات كأس العالم فإن النتيجة الحالية – إن قبلنا هذا المنطق- هي اكتساح "مسيحي" وهزيمة كبيرة للإسلام حيث فازت دول يتم وصفها بأنها دول "مسيحية" عشرين مرة بينما لم تفز أي دولة إسلامية باللقب ولولمرة واحدة، أي أن النتيجة الحالية - إن قبلنا منطق أبو تريكة المعوج - هي عشرين - صفر لصالح الديانة المسيحية. ولكن الأمور لا تحسب هكذا! فكما ذكرنا إنه "الإعداد" والتدريب والعزيمة وشحذ الهمم وأحياناً الحظ هو ما يؤثر على كرة القدم وليس الدين. 

أما الأمر السلبي الثاني في ما قاله أبو تريكة فهو خلق روح من التعصب في رياضة جميلة لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد. وقد تسبب هذا الأسلوب الذي انتهجه المتطرفون في العقود السابقة وهو إقحام الدين في كل شيء حتى في الرياضة للتهكم على الدين في العديد من الأحيان. فكثيرون منا لا ينسون أن محاولة إطلاق تعبير "منتخب الساجدين" على المنتخب المصري - وهو تعبير يحمل في طياته الكثير من التعصب ويقصي الآخر من معادلة الفوز والنجاح الرياضي – كان له تأثير عكسي بعد أن تهكم البعض على هذا التعبير بعد عدم استطاعة المنتخب المصري الفوز ببطولة أفريقيا الأخيرة أو الوصول لكأس العالم الحالي.  

وخلاصة الأمر أن محاولة الزج بالدين في الرياضة وجعلها السبب الرئيسي للنجاح هي محاولة فاشلة تتناقض مع الواقع الذي يقول إنه "الإعداد" الجيد وليس الدين أو علم "لا إله إلا الله" - كما ذكر أبو تريكة - هو أهم أسس النجاح. 

وللحديث بقية..

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.