هذا يعني أن نظام ولاية الفقيه قد استنفد عمره الافتراضي
هذا يعني أن نظام ولاية الفقيه قد استنفد عمره الافتراضي

قد تؤدي الاحتجاجات الدائرة في إيران منذ ثلاثة أشهر إلى سقوط نظام الملالي، وقد لا تؤدي إلى ذلك، لكنها بالتأكيد نجحت في تعرية هذا النظام وتدمير الصورة التي حرص على تشييدها وتقديمها لشعوب المنطقة طوال الأربعين عاما الماضية.

فحوى هذه الصورة هي أن إيران تقف مع الشعوب المظلومة وتدعم الجماعات والحركات التي تطالب بحقوق الشعوب وكرامتها وأنها تنتصر للمستضعفين وتحارب قوى الاستكبار العالمي.. الخ.

هذه الصورة بذل النظام الإيراني مجهودات وموارد كبيرة من أجل رسمها ومن ثم تسويقها للخارج. وقد استطاع خداع الكثير من الحركات والأوساط في البلدان العربية والإسلامية التي شكل بعضها وقودا للتناحر والاحتراب في بلدانها وبعضها لا يزال يتعرض للمتاعب والمصاعب من أجل تلك الصورة الزائفة التي ارتبطت باسم ولاية الفقيه.

لحسن الحظ فإن الشعب الإيراني، لم ينطل عليه هذا الخداع، وهو يكتشف يوميا سواء نتيجة القمع غير المسبوق للتظاهرات أو قتل الأطفال والاعتداء على النساء من قبل أجهزة النظام الأمنية والعسكرية، أنه هو الشعب المظلوم في حقيقة الأمر.

وهو يكتشف أيضا أنه إذا كان ثمة استكبار حقيقي فهو نظام ولاية الفقيه وأجهزته القمعية التي تستضعف الإيرانيين وتعتبر المعارضين للحكم الكهنوتي القروسطي عملاء ومأجورين ينبغي سحقهم.

وقد قتل حتى الآن قرابة 451 محتجا على الأقل، منهم 63 طفلا. ولا غرابة أن المرشد الأعلى للنظام الكهنوتي علي خامنئي يطالب قوات الباسيج وغيرها من القوات القمعية بقتل المزيد من المحتجين، لأنه يعتقد بأن بقاء النظام أهم من حياة الإيرانيين.

واستخدام القوة والمزيد منها هو كل ما تبقى لحكام طهران، إذ من الواضح أن النظام بات يفتقر إلى أي منطق أو سردية قادرة على إقناع الشباب الإيراني بالتخلي عن مطالبه والتوقف عن حركة الاحتجاج. وهناك دلائل على انفصال قطاعات واسعة من الإيرانيين عن تاريخ الثورة وشعاراتها ورموزها ودستورها، وتعتبر كلمات مثل "جمهوري" و"إسلامي" من أكثر الكلمات التي ينفر منها الناس وخاصة الفئات الشابة، التي لم يتسن لها أن تعيش حياة طبيعية مثل باقي الشعوب.

ولذلك فإن ما يميز الاحتجاجات الحالية هو أنها أعمق بكثير من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية. ففي حين كانت تلك الاحتجاجات تدور بشكل أساسي ضمن عباءة النظام سواء احتجاجا على نتائج انتخابات أو دعما لمرشح إصلاحي ضد آخر محافظ، أو بسبب مصاعب الحياة الاقتصادية والمعيشية، فإن هذه الاحتجاجات تجري أساسا خارج تلك العباءة وبالضد منها، وهي ترفع شعارات وتقوم بأفعال غير مسبوقة، سواء ضد المرشد الإيراني أو رموز نظامه.

وهذا يعني أن نظام ولاية الفقيه قد استنفد عمره الافتراضي وهو يسير إلى التآكل والانقراض. وسواء تمكنت هذه الحركة الحالية من إيصاله إلى مصيره المحتوم أم لا، فالواضح أن الإيرانيين لن يعودوا من جديد إلى قمقم الملالي وأن الحركات الاحتجاجية سوف تتواصل بصورة أو بأخرى.

يبقى أن نشير إلى أمر يخص بعض المجتمعات العربية والتي ربطت بعض الجماعات الناشطة فيها وبعض الأوساط أنفسهم بنظام ولاية الفقيه، وهو أنه في الوقت الذي من المتوقع فيه أن يلف هؤلاء الصمت وربما الإحراج بسبب ما يدور في إيران، فإنه من غير المفهوم كيف سيتمكنون من حل الإشكال الجذري بين ما يعتبرونها قضايا ومطالب "عادلة" يدعون لها وفي الوقت نفسه ينكرون على الإيرانيين قضاياهم ومطالبهم العادلة ويدافعون عن نظام يقتل شعبه ويصادر أبسط حقوق مواطنيه؟

بل الأدهى والأمرّ هو أن نموذج نظام ولاية الفقيه الذي يسعى البعض إلى استنساخه أو شيئا قريبا منه في بعض المجتمعات العربية، هو هذا النموذج الذي يشاهد أفراده ورجال أمنه وهم يطاردون المواطنين ويمسكون بالنساء ويطلقون الرصاص على الأطفال في المدن الإيرانية، فهل يستحق هذا النموذج أن يستنسخ أو يحتذى، ناهيك عن أن يموت من أجله أحد؟

الواقع أن احتجاجات الشعب الإيراني هي فرصة لمجتمعات المنطقة للتعبير عن رفضها للهيمنة باسم السياسة أو الدين، والدعوة إلى الإصلاح على أسس حقيقية ومنسجمة مع الحداثة، وليس على غرار "ثورات" الإخوان المسلمين والسلف ومن لف لفهم! هذا الإصلاح هو الشرط الضروري لدخول هذه المجتمعات في العصر الحديث بعد سنوات طويلة من التيه في ردهات التاريخ، وخاصة المظلم منه، والذي لا يزال البعض للأسف يدمن التسكع فيه.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.