Iran's forward #10 Karim Ansarifard and Iran's midfielder #06 Saeid Ezatolahi cry after the Qatar 2022 World Cup Group B…
اللاعبون الأميركيون واسوا نظائرهم الإيرانيين.

خسارة منتخب الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مونديال 2022 على أرض الدوحة أمام الولايات المتحدة الأميركية أو من تسميه إيران "الشيطان الأكبر"، لم تكن خسارة عادية، بل جاءت محفوفة بمفاجآت سياسية واجتماعية من النوع الثقيل وذات معان قاسية على طهران.

الخسارة التي جاءت بعد 24 عاما على فوز إيران على أميركا في مونديال 1998 كان طعمها وشكلها مختلف تماما هذه المرة. يومها احتفل الإيرانيون في الشوارع رقصا وابتهاجا بهزيمة أميركا "كرويا"، وهي ردة فعل طبيعية بأخذ بعين الاعتبار تاريخ البلدين. أما اليوم فخرج الإيرانيون واحتفلوا من ساقاز إلى مشهد وصولا إلى طهران بخسارة منتخبهم وفوز أميركا على منتخب بلادهم وخروجهم من كأس العالم.

التناقض الضخم بين إيران 1998 وإيران 2022 له عدة تفسيرات أبعد من ملاعب الدوحة ويعكس حجم التحولات الداخلية في إيران وأزمتها اليوم من خلال:

وجود حالة غضب في الشارع الإيراني غير مسبوقة منذ سبعينات القرن الماضي دفعت بهؤلاء للتمرد ورفض الاحتفال بأي شيء يفرح النظام وبالتالي الابتهاج والاحتفال بكل شيء يغضب النظام.

في إيران 2022، لم يعد هناك ما يسمى بالمنتخب الوطني لكرة القدم أو حتى النشيد الوطني، بل نحن أمام منتخب النظام إذا أنشد النشيد الوطني أو منتخب المعارضة إذا امتنع عن ذلك. 

حالة الانقسام هذه تشبه التمرد ضد الشاه في السبعينات والتي أوصلت إلى ثورة الخميني وإسقاط الشاه في 1979. النظام الإسلامي اليوم هو أقوى وأكثر صلابة أمنيا وداخليا من نظام الشاه إنما هذا لا يعني أنه قادر على إسكات المعارضة أو إصلاح نفسه.

هيبة النظام الإيراني انكسرت في ملاعب الدوحة وبالرغم من توسيع نفوذه وامتداده في أراضي سوريا والعراق. خسارة الداخل والمواطن الإيراني لا يعوضها نفط العراق أو كبتاغون سوريا.  المجتمع الايراني منقسم اليوم كما لم يكن في أي وقت منذ أربعة عقود ونصف ومن دون تغييرات جذرية في سياساته تتخطى نزهة من رئيسي إلى البازار، لا يمكن رأب هذا الصدع.

المشكلة الأخرى للنظام بعد مباراة الدوحة هو انهيار شعار العداء لأميركا. أي عداء هذا وصور مدافع المنتخب الأميركي أنتوني روبنسون وهو يعانق اللاعب الإيراني رامين رضائيان بعدما انفجر الأخير باكيا تملأ شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي. أي عداء هذا وعلم أميركا وليس علم إيران في الاحتفالات الداخلية. حقيقة الأمر أن الشعب الإيراني لم يكن يوما عدوا للغرب أو للعرب وتاريخه الثقافي أقرب لليبرالية الغربية من عدة مجتمعات شرقية. 

النظام الإيراني حاول ولعقود تصوير أميركا بأنها وإسرائيل العدو الوجودي لإيران، إنما حتى لم ينجح في إقناع حتى لاعبي منتخبه بهذه الفرضية. العناق والتودد يحكي قصة أخرى أكبر من شعارات النظام. 

مباراة أميركا-إيران 2022 كشفت النقاب عن حالة التصدع داخل المجتمع الإيراني وأزمة النظام في إقناع شعبه قبل أي جهة أخرى بالعداء للغرب وأميركا بدل البكاء على أكتاف الأميركيين والانسحاب من المبارزات الدولية.    

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.