وحدها إيران من بين كلّ الدول الخارجية تملك "مفتاح الحل"
وحدها إيران من بين كلّ الدول الخارجية تملك "مفتاح الحل"

لن تجد القمة الأميركيّة الفرنسيّة التي تتوّج "زيارة الدولة" التي خصّ بها الرئيس الأميركي جو بايدن نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، حتى لو شاءت ذلك، مخرجًا للمأزق الدستوري الذي يُطبق على لبنان الواقع في الجحيم، إلّا إذا أقدمت على ما يبدو مستحيلًا، في الوقت الراهن: إبرام صفقة مع "الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران".

وحدها إيران من بين كلّ الدول الخارجية تملك "مفتاح الحل"، لأنّها، من خلال "حزب الله"، تتحكّم بمسار الأمور في لبنان الذي أعلن مرشد "ثورتها" علي خامنئي أنّه جزء من "العمق الاستراتيجي" لهذه الجمهوريّة الإسلاميّة.

الدول الأخرى المعنيّة بالشأن اللبناني لا تتمتّع بقدرة الحسم هذه. يمكنها، بما تملكه من أوراق ضغط، أن تلعب، في أحسن الأحوال، دور الوسيط من خلال تنازلها هي والقوى التي يمكن أن تتأثّر بها، عن أهدافها وخططها وتطلعاتها، وتعطي "الخاطف" جزءًا من طلباته لإفراج مشروط عن "الرهينة".

ومطالب الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران التي يمثّلها "حزب الله" واضحة: إبقاء لبنان ضمن "محور الممانعة"، لأنّه جزء لا يتجزّأ من "العمق الاستراتيجي" لإيران!

ولن تستطيع أيّ دولة، مهما كان تأثيرها كبيرًا على القوى المناوئة لـ"حزب الله"، أن تقنعها بالسير، وفق مشتهى إيران، إلّا إذا تنازلت هذه الدول بصريح العبارة عن ضغوطها الرامية الى أن تستعيد الدولة اللبنانيّة زمام الأمور، وأبدت استعدادها لمساعدة لبنان على الخروج من الجحيم، من دون قيد أو شرط.

وهذا لن يحصل، أقلّه في المدى المنظور، لأنّه إن كانت الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا تملكان ما يكفي من وقت ولديهما ما يكفي من مشاغل، لإرجاء كل ما له صلة بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بلبنان، فإنّ المملكة العربيّة السعودية المطلوب منها ومن "شقيقاتها" الخليجيّات أن تلعب دور الرافعة الماليّة والاقتصادية للبنان، ليست في هذا الوارد، لأنّ الأدوار التي يلعبها "حزب الله" بتكليف من إيران يمس بأمنها الاستراتيجي، سواء في العراق أو اليمن أو البحرين أو حتى، وفي أوقات متقطعة، في الكويت، وفي الآونة الأخيرة، في الأردن، بعدما تحوّلت سيطرة الميليشيات الإيرانيّة على الجنوب السوري، إلى قوّة دفع لأخطر عمليات تهريب المخدرات وحبوب الكبتاغون، بهدف تحويل "المملكة الهاشميّة" الى ممر نحو السعوديّة التي نجحت، بتدابير قاسية انعكست  وتنعكس سلبًا على الاقتصاد اللبناني الإجمالي، في وضع حدّ للتهريب البحري للمخدرات.

في واقع الحال، يلعب النظام الإيراني على حافة الهاوية، في هذه المرحلة، إلى درجة أنّه أعاد الى طاولة الرئيس جو بايدن الذي طالما حمل لواء "الحلول السلميّة" في الشأن الإيراني، الخيار العسكري، وفق ما كشفه الأقرب الى إيران في البيت الأبيض، روبرت مالي، في مقابلة مع "فورين بوليسي".

وفَقَد النظام الإيراني جاذبيّته الدوليّة نهائيًّا، بدءًا من السادس عشر من سبتمبر الماضي، وخسر كلّ ما راكمته لمصلحته "لوبيات الضغط" التي حاكت له "سرديات" إيجابيّة، وذلك بسبب القمع التصاعدي الذي يمارسه ضدّ شعبه المنتفض على الظلم والظلاميّة، من جهة أولى وبسبب دخوله شريكًا في عمليات الإبادة المدنيّة التي يقودها زعيم الكرملين فلاديمير بوتين ضدّ أوكرانيا، من جهة ثانية، وبسبب تفاقم خساراته الإستراتيجيّة في أذربجيان التي وسّعت حدودها مع إيران، إثر نتائج حربها الأخيرة مع أرمينيا في إقليم ناغورني كاراباخ، ورفعت من وتيرة تطبيعها مع إسرائيل الى مستوى الانتهاء من كلّ الإجراءات الدستوريّة الهادفة الى فتح سفارة لها في تل أبيب، من جهة ثالثة.

ومن البديهي أن إيران التي تلعب على حافة الهاوية سوف تشدّد قبضتها، بأيّ ثمن، على أوراق المساومة التي تملكها، وهذه هي وضعيّة لبنان، في الوقت الحاضر.

ولكن مشكلة إيران الإستراتيجية، بما يختص بالورقة اللبناني، أنّها أصبحت ورقة غير صالحة للمساومة، وهذا ما سبق أن أبلغته القيادة السعوديّة الى الإدارة الفرنسيّة، عندما راجعتها في الشأن اللبناني، إذ قالت الرياض لباريس، كما يكشف مصدر فرنسي رفيع لزوّاره المهتمين بالشأن اللبناني: في حال جرى تخييرنا بين تكريس هيمنة إيران عبر "حزب الله" على لبنان وبين أن نضع لبنان في لائحة الخسائر، فنحن حسمنا قرارنا لمصلحة خسارة لبنان، ولذلك فلبنان لم يعد ورقة صالحة لابتزازنا.

وعلى المستوى الأميركي، فإنّ الأولويّة التي تعطيها الإدارة الحاليّة للبنان، تقتصر على ملفّين حيويّين: الأول انتهى، ويتصل باتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، والثاني متواصل، ويتمحور حول تقديم ما يلزم من دعم لـ"المؤسسة العسكريّة" بصفتها ضامنة للحد الأدنى من الاستقرار في البلاد وحامية لهيكل الدولة، على الرغم من تفريغه من محتوياته.

وعلى المستوى الأوروبي، فإنّ الخسائر التي تتراكم بفعل التصدّي للحرب الروسية على أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا الشرقية، وعرقلة الاتفاق النووي الإيراني، بما يُبعد الغاز الإيراني عن قائمة البدائل للغاز الروسي الذي تحوّل الى سلاح ضدّها، والتدهور في العلاقات مع إيران، بفعل القمع الذي يمارسه نظامها ضدّ النساء والأطفال خصوصًا، تدفع بأوروبا عمومًا وبفرنسا خصوصًا، إلى أن تتعاطى، من دون دراماتيكيّة، مع خسارة رهاناتها على الملف اللبناني، الأمر الذي يدفعها الى التركيز على الزوايا التي تعنيها فيه، حيث يحتل الأولويّة هاجس توفير ما يمكن من دعم للمقيمين في لبنان حتى لا ترتفع وتيرة الهجرة غير الشرعيّة.

وعليه، فإنّ الحلّ في لبنان لا يمكن، في الظرف الراهن، أن يأتي من الخارج، وهذه لعنة للمستعجلين على إيجاد "حلول ترقيعيّة"، ولكنّها "نعمة" للساعين الى التخفيف من وطأة اليد الإيرانيّة، إذ يحظون بفرصة لتوسيع مساحة التفاهم، من جهة ولتصليب جبهة المواجهة السياسيّة، على كل المستويات، من جهة أخرى. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.