صورة لحسن البنّا في مقر لجماعة الإخوان المسلمين في القاهرة (أرشيفية)
جماعة الإخوان المسلمين تعيد التكيف طبقا للظروف في الدول العربية

لم تستفق حركات الإسلام السياسي بعد، من سلسلة الضربات والهزائم التي مُنيت بها في أواسط وأواخر عشرية الربيع...هجوم "الثورات المضادات" محلياً (الدولة العميقة) وإقليمياً (حكومات عربية وخليجية عدة)، كان ضارياً، وأدخل بلداناً عربية عدة في "لعبة صفرية" لم يعد ممكناً معها، الحديث عن بناء توافقات ومشتركات، ولم تترك في إثرها مساحات (إلا أضيقها) لحركات الإسلام السياسي، الإخوانية في غالبها. 

على أن "طامة كبرى" ثانية ستطل بشبحها الكريه على هذه الحركات وهي تستقبل العشرية الثالثة من القرن الحالي، عشرية ما بعد "الربيع العربي"، وأعني بها، التحولات والاستدارات الكبرى التي طرأت على سياسة تركيا في الإقليم، وعودة أنقرة للعمل بنظرية "صفر مشاكل"، الأمر الذي لم يترك لهذه الحركات، سوى "جيب صغير"، قطر، محفوفٌ بحسابات علاقاته المستجدة والمُستعادة مع عدد من الأنظمة والحكومات "الكارهة" للإخوان، الأمر الذي ترك، أو يهدد بترك هذه الحركات، من دون ظهير إقليمي وازن، سيما وأنها جميعها، عوّلت كثيراً، وإن بأقدار متفاوتة، على مظلة "الباب العالي" و"الصدر الأعظم". 

هنا سيتكشف المشهد عن مفارقتين متداخلتين في علاقة سببية: الأولى؛ أن "الصدر الأعظم" نفسه، وتحت ضغط صناديق الاقتراع التي ستفتح قريباً في بلاده من جهة والضائقة الاقتصادية والمالية التي تعتصره من جهة ثانية، بدأ رحلة التكيف والاستدارة، وقد بات يضع نصب عينيه، هدفاً لا محيد عنه: استعادة علاقاته، مع كل من ناصب الإخوان العداء وشيطنهم وصنفهم منظمات إرهابية...أما الثانية؛ وهي نتيجة للأولى، فإن "الباب العالي" نفسه، بدأ يضيق ذرعاً بهذه الحركات، فمن كان منها ذخراً له من قبل، صار عبئاً عليه اليوم...والعد العكسي لوجود هذه الحركات، وبالأخص نشاطها، في ديار "العثمانية الجديدة"، قد بدأ، وهو مرشح للتصاعد، كلما لاحت في الأفق، بوادر مصالحة تركية مع دولة من دول الإقليم، بما فيها إسرائيل. 

لحظة النشوة التي أصابت هذه الحركات، ورفعت سقوف توقعاتها، وأفقدتها في أحايين كثيرة، بوصلة العمل الوطني الجماعي، وجردّتها من الاستظلال بورقة الوفاق والتحالفات العريضة والوحدة الوطنية، انتهت سريعاً، بدءاً بمصر، مروراً بتونس والمغرب وانتهاء بمختلف الساحات تقريبا، بمن فيها تلك التي لم يصل "الإخوان" فيها إلى سدة الحكم...قبضات الاستبداد والجنرالات كانت قاسية عليهم في بعض الساحات، وحكم صناديق الاقتراع، كان أقسى في ساحات أخرى. 

تحت هذه الضغوط القصوى، بدأت رحلة التكيف بحثاً عن مخارج وملاذات أكثر أمناً، وسعياً وراء أدوار أقل طموحاً، بسقوف توقعات أكثر انخفاضاً، وفي بعض الأحيان، بغية النجاة من حبل المقصلة. 

ويمكن القول، وتلكم مفارقة ثالثة، أن "الإخوان" في رحلة الهبوط، ساروا كذلك في ركاب "الباب العالي"، صعدوا بصعوده وعلى أكتاف حركة الشوارع العربية، وانكفأوا بانكفائه عن منطقتنا بحثاً عن أدوار جديدة في ساحات جديدة، مستمدة من تطورات عالمية لم تكن في الحسبان، ليست أوكرانيا، حرباً وحبوباً وطاقة، سوى واحدةٍ من تجلياتها. 

في البدء كانت حماس و"عودة الابن الضال" إلى أحضان "محوره"، بعد سنوات حلقت فيها على جناحي المعارضة السورية في الأجواء التركية والقطرية، مستندة إلى قواعد ارتكاز في "نهضة تونس" و"عدالة المغرب"، وقبلها في "قاهرة المعز مرسي"...حماس التي خرجت من دمشق استجابة لنصائح "الشيخ والمفكر" وضغوط الحلفاء، لكي تعود إليها مع "المنتصرين الفاتحين" في غضون بضعة أشهر، مكثت خارجها عشر سنوات عجاف، قبل أن تعود إليها "تسللاً" بوساطة إيران وحزب الله، وتحت جناح زياد النخالة، على أمل أن تستعد شهر العسل المديد مع نظام الأسد، وهو أمرٌ أقرب لعودة عقارب الساعة إلى الوراء. 

حماس تدرك أن مساحات حركتها في تركيا تتقلص، وهي عرضة لمزيد من الانحسار، وليس صدفة أن تصب إسرائيل جام غضبها على رجل الحركة الثاني، صالح العاروري، وأن تسرب في تقاريرها الأمنية، أن القرار بتنفيذ عملية القدس المزدوجة قبل أسبوعين، قد صدر عنه، ومن تركيا، لكأنها تريد أن تضرب عصفورين بحجر واحد: وضع أنقرة تحت أقصى درجات الضغط، والتلويح بعودتها إلى سياسة الاغتيالات التي توقفت عنها جزئياً ولبعض الوقت. 

وحماس تدرك، أن الحاضنة القطرية يمكن أن توفر لها كل شيء للحركة، إلا دعم "برنامجها المقاوم"...فالدوحة التي تحتفي بأسخن شهر عسل مع واشنطن، ليست بوارد التشويش عليه أبداً، والإمارة الخليجية الصغيرة، ليست مؤهلة لتحمل تبعات "برنامج مقاوم"، لكنها بكل تأكيد الأكثر تأهيلاً وجدارة على قيادة برنامج "تكيّف" للحركة، يضعها على "سكة طالبان"، وربما يعيد إنتاج "سيناريو الدوحة" الذي أخرج الحركة المجاهدة من كهوف أفغانستان إلى فنادق الدوحة وموائد التفاوض مع زلماي خليل زاد...حماس جميعها تدرك هذه المآلات ولا تستبعدها، بعضها موافق عليه ويستعجله، وبعضها الآخر معترض عليه، ويستمهله. 

حماس ليست وحدها من سار على طريق "التكيف تحت أقصى الضغوط"، إخوان مصر، تضربهم عاصفة من الخلافات والانشقاقات في الإجابة على السؤال ذاته: ماذا بعد؟، بعد الربيع العربي والاستدارات التركية، وثبات النظام المصري برغم الضغوط والانتقادات، ولقد كان واضحاً، أن تياراً إخوانياً، لا ندري ما إن كان عريضاً أو رفيعاً، كان ليلتحق بمائدة الحوار الوطني التي دعا إليها النظام المصري، لو أن قادته توصلوا برقاع الدعوة، وثمة تقديرات متشائمة للغاية، حول قدرة "الجماعة الأم" على حفظ وحدتها وكيانها، في قادمات الإيام، سيما وأن الأرض تكاد تضيق عليها، بما رحبت. 

"نهضة تونس" ليست أحسن حالاً من "إخوان مصر"، قيادتها "التاريخية" تتحول من ذخر لها إلى عبء عليها، يحرمها من فرصة التجدد والتكيف الأقل كلفة، وتتسبب بمسلسلٍ لا ينقطع، من الانسحابات والانقسامات وتبادل الاتهامات، وهي فقدت عبر مسار تراجعي من عشر سنوات أكثر من ثلاثة أرباع "طاقتها التصويتية"، وهي تحت ضغوط قيس سعيّد وحربه متعددة المجالات عليها، تعود لسياسة أتقنتها وهي في المعارضة، وتخلت عنها وهي في السلطة: الاستظلال بالآخرين، وتقديمهم في صدارة الصفوف، والاختباء خلف عباءاتهم الوطنية والديمقراطية، مستعيدة فصولاً ضافية من خطاب "المظلومية"، رافعتها وسلاحها الأشد مضاءً لكسب التعاطف والتأييد، ولكن من دون جدوى وفاعلية هذه المرة. 

"إخوان الأردن"، وبعد هبوب رياح الثورة المضادة واشتداد عمليات النبذ والشيطنة، لاذوا بأكثر مقارباتهم اعتدالاً، ميّزوا أنفسهم بوضوح، عن خطاب الحراك الشبابي والعشائري الأقصوي، واحتفظوا بمسافة عن "الجنرالات المتقاعدين" ذوي النبرة العالية في المعارضة، واعتمدوا خطاباً معارضاً معتدلاً للغاية، وبأدوات ناعمة، أقرب ما تكون للعتب والشكوى والتذمر، منها إلى النقد الجدي والصدام الخشن، ومن دون سقف توقعات مرتفع، كما عليه حالهم في واقعتين تاريخيتين على الأقل: بعد فوز حماس الكاسح في الانتخابات 2006، وبعد بلوغ الربيع العربي ذروته في الأعوام 2011 – 2013. 

وثمة من التقديرات و"الشائعات" ما يشي بديمومة مسار "التكيف" في قادمات الأيام، ارتباطاً بتوجهات جديدة للنظام السياسي تتصل أساساً باستحداث قدر من التوازن في التمثيل والمشاركة السياسيين لمختلف مكونات المجتمع الأردني من جهة، وما يمكن أن تأتي به التطورات والمشاريع المُعدة للضفة الغربية لنهر الأردن، في المديين المتوسط والبعيد من جهة ثانية. 

التجمع اليمني للإصلاح، كان مبادراً لأعلى درجات التكيف، ومع أشد خصوم الإخوان عداوة وضراوة، فبعد سيطرة الحوثي على صنعاء، وقيام التحالف العربي بقيادة السعودية بشن حرب على اليمن، ارتضى "الإخوان" الانضواء تحت راية الرياض، حتى حين كانت شريكتها في قيادة التحالف، الإمارات وحلفاؤها الجنوبيين، يشنون الغارات على قوات الإصلاح، ويغتالون قادتها في عدن وشبوة والمحافظات الأخرى. 

وقبل أن يستكمل موسم هجرة قادة الإخوان اليمنيين من السعودية إلى تركيا، بعد القيود المشددة التي فرضت عليهم، كانت تركيا بدورها، تفتح صفحة جديدة مع أبو ظبي والرياض، فلم يبق لديهم من ملجأ من الرياض إلا إليها، فآثروا الصمت على "ظلم ذوي القربى"، حتى حين كانت نيرانهم تحاصرهم في شبوة وتشتد عليهم. 

على أن "أبشع" أشكال التكيف التي قارفتها حركات إخوانية، أو كانت محسوبة تاريخياً على الإخوان، تلك التي قام بها "إخوان إسرائيل" من الحركة الإسلامية الجنوبية، وإخوان البحرين، الفريق الأول، ارتضى التهويد والأسرلة و"قومية الدولة" وتبنى مفردات كثيرة من خطاب الحركة الصهيونية، وانضوى في تحالف مع نفتالي بينت...فيما الفريق الثاني، قبل بدور شاهد الزور على أبشع مسارات التطبيع مع إسرائيل وأكثرها تهافتاً، واكتفى بابتلاع ألسنة قادته، والبحث "عذر مخفف لولي الأمر"، وحين كان قادته يشربون "حليب السباع" كانوا يلوكون عبارات العتب الرقيق، المشفوعة بأعلى درجات الثقة والطاعة والولاء. 

والخلاصة، أن دروب "التكيف تحت الضغط" التي سارت عليها حركات إسلامية عدة، إخوانية في الغالب، قاد بعضها للخروج من جلده، فلم نعد نتعرف عليه أبداً، أو وضعها في سكة تحالف مع خصومها وأعداء الأمس، أو دفع ببعضها الآخر، للتنقيب في دفاتره القديمة، بحثاً عن مفردات وأدوات، كانت ناجعة ذات يوم، على أمل تظل كذلك في المستقبل. 

 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.