السوداني لا يزال غير قادر على مغادرة تفكير رؤساء الحكومات السابقة
"السوداني لا يزال غير قادر على مغادرة تفكير رؤساء الحكومات السابقة".

أربعون يوماً مضت على منح الثقة لحكومة السوداني، وطوال هذه الفترة من عمر الحكومة كان الترقّب هو سيّد الموقف. نراقب التصريحات وننتظر أن تنعكس على السياسات العامة للدولة وتغيير في نمط التفاعل بين الحكومة والمواطن، ويبدو أننا سنبقى ننتظر، حالنا حال شخصيات مسرحية "في انتظار غودو" لصمويل بيكيت!

في أولى خطوات حكومة السوداني لمحاربة الفساد ومتابعة ملفّاته، خرج لنا في مؤتمر صحفي من داخل القصر الحكومي محاطاً بأكداس من الأموال العراقية والدولارات الأميركية، باعتبارها جزءاً بسيطاً قد جرى استعادته من (سرقة القرن)، معلناً عن صفقةٍ جرى عقدها مع المتهم الرئيس بهذه السرقة حتّى تُسترجَع الأموال كاملة!

وبعد الانتهاء من هذا الخبر، التقيت صديقاً إعلامياً مقرّباً من السوداني، فبادرته بسؤال: ما الداعي من الاستعراض الإعلامي وهذا التطبيل والترويج لِلخبر باعتباره منجزاً تفتتح به الحكومةُ خطواتها لمحاربة الفساد؟ لاسيما إن ما جرى استرداده لا يتجاوز 5% من (سرقة القرن) التي وصلت إلى مليارين ونصف المليار دولار! ردَّ الصديق الإعلامي، وكان مختصراً جداً: ما فعله السوداني هو خطوة لم يسبقه فيها أيُّ رئيس حكومة سابق!

حقيقاً، لم استغرب من ردّه، بالقدر الذي كنت فيه مستغرباً من الثقة التي تحدّث بها، باعتبار ما قام به منجزاً وكونه لم يسبقه فيها أحد! واكتفيت بالرد: أتمنّى على السيد السوداني أن يتابع بنفسه، ولا يكتفي بما يعرضه له فريقه الإعلامي، وأن يطّلع على التعليقات وردود الفعل على الخبر، وكيف جرى تداوله في صفحات التواصل الاجتماعي.

ربما اتفق مع كثيرين على أنَّ الوقت لا يزال مبكّراً لانتقاد الحكومة أو تقييم خطواتها، ولكنَّ غايتي في هذا المقال ليس التقييم ولا الانتقاد، وإنّما تشخيص الخلل في تعاطي الحكومة مع الأولويات، ومشكلتها في الدوران ضمن حلقة مفرغة من الشعارات، تسويقها لخطواتها بأسلوب تقليدي يعيد تكرار خطوات الحكومات السابقة بطريقة لا تخلوا من السذاجة وليست بريئة من قصور في الرؤية.

مشكلة حكومة السوداني أنها تريد أن تسوّق لِلجمهور أنَّ أولى مهامها التعاطي مع الفوضى الإدارية وملفات الفساد التي خلفتها حكومة مصطفى الكاظمي. ورغم أنّ تلك الملفات خطيرة جداً، لكن اختزال سنوات الخراب والفوضى بمخلّفات حكومة الكاظمي هو نوع من التصغير لِلتراكمات الفوضوية والفساد والهدر بالمال العام التي أنتجتها منظومة الحكم وقواها السلطوية التي لا تزال متنفذة ومهيمنة على قرار حكومة السوداني ومتحكّمة فيها بقوّة. ومن ثمَّ، يجب على السوداني أن يدرك أنَّ مهمة حكومته ليست ترويج صكوك الغفران لِكل الحكومات السابقة والزعامات السياسية، وأن تختزل الفساد والخراب فقط بالكاظمي وفريقه الحكومي.

المشكلة الثانية هي أن خطاب السيّد السوداني قبل تولّيه منصب رئاسة الحكومة وحتّى بداية حكومته كان يركّز على طرح أفق سياسي وإداري غير تقليدي لمعالجة المشكلات الاقتصادية وإدارة المؤسسات التي على تماس مباشر مع تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. لكنّه منذ قيادته الحكومة إلى حدّ لحظة كتابة المقال، لم يقدّم لنا فريقاً سياسياً جديداً يتلاءم مع طروحاته التي تنتقد الفاعلين في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية. إذ يبدو أنّ السوداني إلى الآن غير قادر على مغادرة مبدأ الترضيات لِلكتل السياسية التي باتت تفرض مستشاريها ضمن فريقه الحكومي، وهو شخصياً يعتمد مبدأ تقريب الشخصيات التي تربطه بها علاقة شخصية ضمن عمله في المناصب الحكومية السابقة. وبالنتيجة لا يمكن أن نتوقع نتائج جديدة من فريق سياسي تقليدي كان جزءاً من طاقم الحكومات السابقة التي عجزت وفشلت في تقديم أبسط الخدمات للمواطن.

المشكلة الثالثة، هي أن السوداني لا يزال غير قادر على مغادرة تفكير رؤساء الحكومات السابقة الذي يعتمد على استراتيجيات الإرضاء للكتل السياسية، أو مجموعة من القرارات التي تنحصر غايتها في تحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، وبالنتيجة تكون لدينا حكومة تلوذ بسياسات تهدئة مع قوى السلطة التقليدية، والتي مع الأسف تتعمّد في ترويج صورة مصغّرة لمنصب رئيس الوزراء بوصفه موظّفاً لديها وليس المسؤول الأول عن رسم السياسات العامة وتحقيق مصلحة البلاد.

والمشكلة الرابعة هي أن السوداني، طوال الأربعين يوماً المتصرّمة، لم يتمكن من تغيير الصورة النمطية للعلاقة بين الحكومة والجمهور. فهو إلى الآن يتصوّر أن كثرة اللقاءات والحوارات السياسية مع شخصيات سياسية وحتى شخصيات إعلامية ورجال أعمال مقربين من الحكومات السابقة وقوى السلطة، هي الوسيلة التي يمكن من خلالها تقديم تصوره لإدارة الحكومة.

ويبدو أن تلك اللقاءات التي يكون فيها رئيس الحكومة متحدثاً أكثر من كونه مستمعاً تزيد من ضبابية الرؤية بدلاً من قدرته الاستماع إلى ما يريده المواطن من الحكومة.

لقد تصدّى السوداني للمهمة وهو مدرك جيداً لحجم تحديات الفساد والفوضى، لذلك هو بحاجة إلى أن يكون رجل دولة استثنائيا وليس موظفا حكوميا تقليديا.

ورجال الدولة لا تُختبَر قدرتهم على إدارة التحديات في ظروف الرخاء، وإنّما يجري اختبار رؤيتهم وقدراتهم على مواجهة التحديات في ظروف التحديات الخطرة. وجميع الظروف والإمكانيات الآن متهيئة أمام السيد السوداني لو أحسن استثمار الفائض المالي والدعم الدولي والإقليمي، والبدء بخطوات جديّة تحقق منجزاً سياسياً وخدمياً واقتصادياً يتلمّسه المواطن في الشارع وفي مراجعته للدوائر الحكومية وفي المستشفيات، وفي تحسين وسائل معيشته وحمايته من جماعات السلاح المنفلت.

وأخيراً، متلازمة الحكومات وعمى السلطة يجب أن يعمل السوداني على تجاوزها من خلال التفكير بالخطوات القادمة التي تعيد الثقةَ لِلمواطن الذي ينتظر الكثير من هذه الحكومة، والرهان يجب أن يكون على كسب تلك الثقة التي ستكون الحصن المنيع لِلحكومة إذا أحسن التعامل مع أولوياتها.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.