مراهنة سياسية على مشاعر الحالمين بـ"تطبيق الشريعة" تطبيقا كاملا وشاملا
مراهنة سياسية على مشاعر الحالمين بـ"تطبيق الشريعة" تطبيقا كاملا وشاملا

يطرح "الإسلام السياسي" اليومَ ما يبدو كأنه رؤى مكتملة جاهزة؛ ذات مشروعية فائقة؛ لممارسة التدبير السياسي. وهو في مجمل رؤاه المطروحة ـ نخبويا وجماهيريا ـ يتكئ على النص/ مَجموع النصوص، كما يتكئ على التاريخ. وبينما يبدو اتكاؤه على النص أولى وأوثق وأعمق في  مستوى المنطق الصريح، فإن اتكاءه على التاريخ هو الأولى والأوثق والأعمق في  مستوى المنطق الضمني.

إن منطق التاريخ، المُتَضَمَّن في مُجْمَل الوعي الشَّعْبوي العام (= رحلة الصيرورة التي صنعت الذات) هو ما يدعم الرؤى السياسية الحالمة  لمشروع الإسلام السياسي، وليست النصوص المقدسة التي يجري التأكيد عليها وعلى تأويلاتها الخاصة في المعترك الجدلي/ التنازعي. فالتاريخ هنا ـ أي في وعي المتلقي المسلم ـ  يبقى تجربةً حَيّةً لا تزال آثارها شاهدة على نجاحها في الماضي، بل لا تزال بعض نتائجها ماثلة في الحاضر؛ كشواهد ملموسة على نجاح تاريخي غابر؛ لا تكف الذواكر ـ المجروحة  نرجسيا ـ عن الحلم باستعادته في يوم من الأيام.

يبحث "الإسلام السياسي"ـ ومن ورائه، ومن قبله، ومن بعده؛ عموم الجماهير المُتَدَيّنة ـ عن المشروعية المفقودة في مجال التدبير السياسي. وفْقَ حدود الرؤية التقليدية، هي مشروعية ليست موجودة؛ إلا في حدود النص (بما يرتبط به من فرضية تطبيق الشريعة/ شريعة الفقهاء)، وفي حدود التجربة التاريخية الطويلة المتصرّمة مع بداية عهد الاستعمار(= تاريخ الخلافة العظمى). ما يعني أن الدولة القطرية/ الوطنية التي نشأت على هوامش تلك الخلافة إبان وجودها(في مناكفة لفرضية الوحدة الأممية)، أو تلك التي نشأت على خلفية ضعفها وانحلالها/ إلغائها (في وراثة تؤكد موت فرضية الوحدة الأممية)، هي دولة لا تتوفّر على الحد الأدنى من الشرعية اللازمة في العقل الجمعي التقليدي. 

ومما يزيد في تأكيد ضمور هذه الشرعية أو انعدامها في العقل الجمعي التقليدي، أن المشروعية الحداثية (= مشروعية الانجاز، والعدالة الاجتماعية..إلخ) لم تتحقق عربيا إلا فيما ندر، وكانت مشروعية الاستقلال من الاستعمار، أو مشروعية الانتصارات العسكرية الوهمية، مشروعية لحظية/ ظرفية غير قادرة على أن تملأ فراغ المشروعية السياسية، ذلك الفراغ الذي سيتمدّد على مدار الحراك اليومي/ المعيشي.   

لهذا، جاء الإسلام السياسي كتعبير عن وصول هذا الفشل إلى مداه الأقصى. جاء البحث في ينابيع التاريخي والمعنوي/ الروحي، حين افتقر الواقع إلى ما يُرْوي الروح ويضمن بقاء ونماء الجسد. جرى البحث في متاهات اللاَّمرئي، في تصوّر مُتَوهَّمٍ عن غائب، في نصوص واعدة حالِمة، أو يجري تأويلها بحلم/ بوهم؛ حين تكشَّف الواقع بكل معطياته عن حالة عجز تام، عن حالة تدهّور متنامٍ يُنْذر بانقراض حضاري وشيك؛ إن لم يُتَدَارَك بحالة انبعاث تملأ فراغات أسئلة المعنى وأسئلة الواقع المادي.

لكن، أمام كل هذا، هل تقدم الإسلام السياسي بأجوبة حقيقية ترفع الحرج، وتفتح أبواب الأمل، وتجترح خُطَطا واقعية للعمل، أم هرب من الواقع، ومن أسئلته المستحقة، إلى صناعة "سردية وَهْمية" تتضمن خطة الاستيلاء على الواقع من خلال الاستيلاء بالأوهام على أحلام الجماهير، وبالتالي على واقعهم بكل تفاصيله، بدءا من مقاسات ملابس الرجال والنساء، ومن تحديد نوعية "المسواك" وترتيب خطوات المشي، إلى تدبير المجال السياسي بعمومه، وما بين هذا وذاك من كثير أو قليل ؟

في اعتقادي، أن "الأجوبة الوهمية" التي استحوذ بها الإسلام السياسي على وعي عموم المُتَدَيّنين لا تتعدى ثلاثة محاور:

1ـ محور الإجابة على سؤال المشروعية، أي مشروعية الحكم السياسي. والمشروعية لديه قائمة في "الخلافة" تحديدا. ما يعني أن كل حكم لم تمنحه الخلافة مشروعيتها فليس بمشروع/ ليس بشرعي. وإلى بداية زمن الاستعمار، وبصورة أكبر في القرون الوسطى الإسلامية، كان "الخليفة" يمنح مباركته للدويلات الناشئة؛ ليمنحها المشروعية الدينية السياسية، مقابل تبعية صُوريّة للخليفة/ الإمام. وقد أصبح هذا عُرْفا عاما: ثقافيا و واقعيا؛ حتى وجدنا كتبَ "السياسة الشرعية"، و"الآداب السلطانية"، قد تماهت مع كل هذا العبث كواقع؛ لتخرجه كَحق واجب الاتباع.   

والحقيقية أن "الخلافة" ذاتها غير ذات مشروعية في الأساس، فهي منذ بدأت بعد موت النبي مباشرة، وإلى حين إعلان وفاتها قبل قرن تقريبا، وهي مجرد اقتراح سياسي ظرفي لم يحظ بالإجماع أبدا، لا الإجماع النظري ولا الإجماع العملي. فقد تولى أبو بكر/ الخليفة الأول السلطة بعد نزاع مُتعدّد الدوائر، فكان ثمة نزاع داخل القبيلة القرشية ذاتها في كيفية إدارة السلطة، ومن الأحق بها، هل هو الصاحب القريب أم الصاحب القديم أم ورثة السيادة القبلية ؟ وكان ثمة نزاع خارج القبيلة، كان ثمة نزاع مع الأنصار، أي مع القوة العسكرية التي أسست الدولة الإسلامية الأولى بدمائها. وأيضا، كان ثمة نزاع آخر، أخطر وأهم، وهو نزاع مع بقية العرب بشأن استحقاقات السلطة في كل مراتبها. ثم بعد الفتوح ودخول أبناء كثير من الأمم الإسلامَ، كان السؤال المُحرج والمُقلق: لماذا ينفرد العرب بالسلطة؛ ما دام أن رسالة الإسلام عالمية، وتقوم أساسا على العدل والمساواة بين المسلمين ؟     

وأيضا، مقابل هذا المسار الواقعي، أي المسار الذي يَتشرعن بالواقع، الذي يُحَاجِج بما وقع فعلا، كان ثمة رؤية أخرى، تُحيل إلى نص ما (= الرؤية الشيعية)، وبالتالي، تنزع الشرعية عن الواقع. وحتى هذه، وقبل أن تنفعل بالواقع وتتفاعل معه في أفقه السلطوي المباشر في فترات تاريخية متقطعة، اختلفت كثيرا، وافترقت فرقا شتى عند كل منعطف يمس تراتبية القيادة/ الإمامة. وما بدا من فِرَقها متماسكا على مستوى الرؤية النصية (= الإمامية الإثنى عشرية)، واجه أسئلة مُحْرِجة بعد "الغيبة" التي وصلت بها إلى مسار مسدود واقعيا، مفتوح نظريا. وحينما حاولت "ولاية الفقيه" فتح هذا الانسداد الواقعي، لم تحظ بالإجماع؛ لتبقى المشروعية محل نزاع دائم، ما يعني بقاء حالة "انعدام المشروعية السياسية" حتى عند الطرف المعارض الذي حاول التعالي على الواقع/ الوقائع بمثالية لم تصمد أمام تحديات التاريخ الواقعي.  

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن التجربة الإسلامية التاريخية كلها (في سياقها النظري والعملي) لم تُجب على سؤال المشروعية السياسية الإسلامية. وحقا؛ مهما بحثت عن جواب لهذا السؤال في لماضي؛ فلن تجد إلا ما يؤكد النقيض: انعدام المشروعية السياسية. وحينئذٍ؛ فكل الأجوبة الحديثة/ المُسْتَحْدثة المُقَدَّمة من مُنَظِّري الإسلام السياسي: السني والشيعي، هي أجوبة مزيفة، أجوبة مغشوشة، أجوبة مخادعة، لم تصمد أمام امتحان التاريخ في أي فترة من فتراته، وبذلك لن تستطيع تقديم جواب مقنع للواقع الراهن. 

2ـ محور التأكيد على الوحدة الأممية. وهذا يرتبط ارتباطا وثيقا بالمحور السابق. فكل حديث عن المشروعية السياسية هو حديث عن الوحدة الإسلامية: وَحْدة المسلمين السياسية؛ والعكس صحيح. فالمسلمون منذ وفاة النبي لم يجتمعوا على وحدة سياسية؛ رغم تصوّرهم النظري ـ في بعض الفترات ـ أنهم أمة واحدة. وما حدث زمن أبي بكر وعمر (وهو الزمن الذي يُذكْر أحيانا كشاهد على وحدة الأمة) لم يكن كما يُصوّر غالبا، ففضلا عن الاستعصاء الهاشمي والخزرجي (سعد بن عبادة خاصة)، كانت حروب الردة ردا مركزيا/ عسكريا على تمرّدات داخلية ذات اعتراض سياسي، قبل أن يكون اعتراضا دينيا، بل ـ وأحيانا ـ دون أن يكون اعتراضا دينيا. ولم يكن الإسراع بحركة الفتوح، وتوسيع نطاقها، وفتح أفقها على مدى زمني غير محدود، إلا هروبا إلى الأمام من استحقاقات سؤال المشروعية السياسية الملحة على عموم الوعي الإسلامي المتشكل حديثا؛ بعد أن كانت القبائل (التي شكّلت أمّة الإسلام في البداية) لها مشروعيتها السياسية في حدود المنظور القبلي الخاص.

إن الإسلام السياسي اليوم لا يطرح نفسه كخيار وطني خاص بجغرافية قومية مُحَدَّدة، بل يطرح نفسه كوريث لـ"الخلافة" الجامعة التي انضوى تحت عباءتها المسلمون جميعا في العصور الذهبية للإسلام التاريخي. ومن ثَمَّ، فإن استعادة هذه "الوحدة الأممية" التي تفكّكت في منعطفات تاريخية شائكة، هو ـ في نظر المتأسلمين الحالمين ـ شرط استعادة مجد الإسلام. بينما الحقيقة التاريخية تؤكّد ـ وبوضوح شديد ـ أن هذه الوحدة التي يجري الرهان على استعادتها، لم تُوجد في يوم من الأيام، وأنها كانت ـ في أحسن أحوالها ـ حُلْما نظريا طوباويا، يتوق الجميع إلى تحقيقه؛ دون أن يكون مُمكنا بحال. 

3ـ محور حاكمية الدين/ حاكمية الشريعة. وهذا المحور أيضا مُتعالق مع المحورين الأولين. فالمشروعية السياسية مرتبطة ـ توهّما؛ في وعي المتأسلمين، بل وفي عموم التدين التقليدي ـ بمشروعية سياسية تحقّقت في التاريخ، وبواسطة هذه المشروعية السياسية تحقّقت الوحدة الشاملة، وبواسطتهما جرى تنزيل الشريعة على الواقع تنزيلا كاملا وشاملا. والمعنى الذي تؤكده الأصولية من كل هذا، تأكيدا صريحا أو ضمنيا، أنه لولا هذا "التحكيم الكامل والشامل للشريعة"، لم يكن ثمة "مشروعية سياسية"، ولم يكن ثمة "وحدة سياسية جامعة". وفي المقابل، وفي سياق هذا الزعم، لولا المشروعية السياسية التي فرضت الوحدة، لم يكن ثمة إمكانية لفرض "حاكمية الدين" في دار الإسلام، التي يُقَابِلها دار الكفر، أي الدار التي لا تخضع لحاكمية الدين. 

إذن، من الواضح أن في هذا مراهنة سياسية على مشاعر الحالمين بـ"تطبيق الشريعة" تطبيقا كاملا وشاملا. أي أن المتأسلمين يقولون للجماهير الحالمة بهذا التطبيق، أنه لن يتحقق إلا باستئناف المشروعية السياسية التاريخية (= الخلافة الجامعة). بينما حقائق التاريخ تحكي أنه لم يكن ثمة "مشروعية سياسية"، ولا "وحدة سياسية عامة"، ولا "حاكمية دينية" كاملة وشاملة، أي لم يُفرض "تطبيق الشريعة" بالكامل في يوم من الأيام في تاريخ الإسلام. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.