الجنية النازفة
الجنية النازفة

أكتب، أمسح. أكتب، ثم أمسح مرة أخرى. أكتب، يزهر الخشخاش خلف زجاج النافذة المغبر، من الطابق السابع. 

لدي عدد لا يحصى من الأزمات الوجودية، وما بعد صدمات الطفولة، والقلق المزمن حيال الكثير من الأشياء والأفكار والحوادث الشخصية والعامة على السواء، أزمات لا رغبة لي في حلها جميعها، بل في تعقيد جزء منها وتركيبها وترويضها إن لزم الأمر، لتنتهي أخيراً كمسخ مضطرب الهوية والشخصية. مسخ يلتهمني كلما شعرت أنا بالجوع. يقضمني بلا أسنان لامتلأ بنفسي الحقيقية. 

أزمات وجودية، ومخاوف يومية كثيرة، لكن وتحديداً ليس تجاه التقدم في السن كرقم يرتفع صعوداً مع هبوط بريق الشباب نزولاً إلى أسفل القاع دون رجعة، كما يقال، كما يحدث في "الواقع"، إن وجد. إن وجدنا.  

أرغب في اختبار شعور الخوف حيال سن الثلاثين كما يفعل الكثيرون. أرغب في الهلع تجاه الأشياء الطبيعية كما يفعل الشباب والشابات الأوروبيون من حولي، لكني لا أستطيع الشعور به. أتحسس عنقي ووجهي بحثاً عن التجاعيد، أقف يومياً عارية أمام المرآة لفحص الترهلات والدهون الزائدة، لا أجده. بشكل غير متوقع ومُرضي، جسدي كما هو منذ أن بلغت الخامسة عشر، طولاً وشكلاً، 160 سم، 50 كيلو. 

أقف عارية فوق أجساد رجال لا أستطيع ولا أهتم في لفظ أسمائهم الأخيرة بشكل صحيح، بحثاً عن تفسير لشعور الراحة حيال عمر الثلاثين، لا أجده. ما أستطيع إيجاده هو إبداعي اللامنتهي، المتواصل في تشكيل أجوبة مقنعة حيال عدم رغبتي في بناء علاقات جدية في الوقت الحالي، عندما يسألني أحدهم عن رغبته في الزواج مني، وأنا أودعه عند الباب، لاستمتع بلحظات السكينة والهدوء لوحدي على السرير بعد ساعات من الكلام والتلامس وإيجاد أنفسنا في بعضنا.  "أرغب في الزواج بي ايضاً" أجيبه، وأغلق الباب مع إقفاله بـ"3 طقات" مسموعة، كتعويذة تمنعه من العودة وإقناعي مجدداً بجمالية قضاء الليلة في منزلي وشرب القهوة سويةً في الصباح، الأمر الذي أمقت.  

أضع سيروم فيتامين سي وكريم الشمس صباحاً/مساء. أشرب لترا ونصف لتر ماء يومياً. أتوقف عن تناول أي شيء بعد الساعة السابعة، لأبقي عملية الفشل في إيجاد تجاعيد وجهي وعنقي قيد الاستمرار. 

لا أعلم إن كان السبب وراء هذا الارتياح المريب أو واحداً منها على الأقل، إبراز هويتي في كل مرة أدخل فيها إلى الكلوب أو حين اشتري الكحول، فأشعر بأني عالقة في مرحلة المراهقة، فأقرر تأجيل ما يجب فعله في هذه المرحلة من بناء أساسيات تحميني في الشيخوخة، كما يفعل البالغون من عمري. 

الكثير من المقالات والدراسات ووجهات النظر على اليوتيوب وغيرها من المنصات، من فنانين وكتاب وغيرهم كهراء مدربي "التنمية البشرية" يتحدثون عن الميزات الذهبية التي لا تحصى للعيش في سن الثلاثين وما فوق، لكن لم أجد أي منها يتحدث عن مميزات مرحلة الثلاثين في مدينة كبرلين. هنا، أقصد في برلين، أشعر بأني سأعيش للأبد في مرحلة الشباب. سواء في أسلوب الحياة أو في القرارات المصيرية، مما يزيد الأمر صعوبة في الالتزام في أي قرار والاستمرار به هو عملي الحر ودراسة الفنون البصرية في نظام جامعة حر تماماً من الالتزامات الصارمة، مما يخلق رغبة أكبر وأكبر في التخلي عن المعايير النمطية والجري وراء اللحظات المكثفة غير المستدامة على أنها لا تنضب. في الواقع أنها تفعل، تنضب وتتلاشى وتستبدل بغيرها. 

"ستتدمر حياتك عند الثلاثين" تقول لي صديقة سابقة هذه الجملة واصفة شعورها الشخصي. أعيد حالياً جملتها في رأسي وأدرك أن عمرها لما يكن السبب الحقيقي وراء هكذا شعور على الإطلاق، إنما حجة مريحة يتخذها الكثيرون لتبرير الكوارث والمصائب الشخصية والفشل العام إن لم يلب معايير المجتمع الشائعة أو الحلقات المقربة الأصغر عدداً. 

توقفت أمي عن التذمر حيال الزواج وتشكيل عائلة منذ أكثر من عام. بالأحرى تراني الآن مكرهةً كـ نبتة "فطر الجنية النازفة" أو بتسمية أخرى "فطر أسنان الشيطان"، استهلك نفسي، نازفة كل ما أملك من أجل لحظات شهوة عابرة.

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.