بلغت أزمة النظام الإيراني مستوى لا ينطبق عليه المثل الشهير "أن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا"، فالقرار المبهم الذي أعلنه يوم الأحد الفائت مدعي عام إيران محمد جعفر منتظري بإلغاء شرطة الأخلاق وفك ارتباطها بالقضاء، وقوله إن الجهة التي قامت بتأسيسها -أي شرطة الأخلاق- هي من قامت بإلغائها، حركة متأخرة جدا يهدف النظام من خلالها أولا إلى احتواء الشارع والظهور أمام المحتجين بأنه حقق مطالبهم، وبأن الأحداث التي جرت بعد وفاة الشابة مهسا أميني قد تمت معالجتها.
وثانيا: يريد رفع جزء أساسي من المسؤولية عن مؤسساته العقائدية، وحصر الضرر بشرطة الأخلاق التابعة لوزارة الداخلية التي بدات عملها، في بداية عهد الرئيس الأسبق أحمدي نجاد.
الواضح أنه بعد قرابة ثلاثة أشهر على الاحتجاجات، والفشل في قمعها، اضطر النظام للقيام بخطوة ما إلى الوراء نتيجة ضغوط الشارع، في محاولة شبه يائسة لإرضائه وإقناع الرأي العام الإيراني أن النظام قام بواجبه، وعاقب الجهة المسببة لهذه الأزمة، وهو في المقابل ينتظر ويتوقع خطوة مماثلة من الشارع أو من المحتجين، والنساء خصوصا، تؤدي إلى تهدئة الأوضاع.
وهذه الخطوة أقرب إلى محاولة التمييز ما بين شرطة الأخلاق وبين باقي مؤسسات الثورة والنظام، خصوصا أن هناك أجهزة أكثر قسوة وتشددا تمارس قمعا عقائديا أوسع مما تمارسه شرطة الأخلاق، التي كان أحد أهم اختصاصاتها مكافحة ما كان يصفه النظام بالحجاب السيىء، الذي كانت حكومة أحمدي نجاد تناهضه.
قرار النظام أشبه بمحاولة إغواء لا يبدو أنها ستنجح، لذلك بدأ مباشرة بالتلويح بأنه سيقوم بخطوات إضافية تتصل بموضوع الحجاب وإلزاميته، وبكل ما يرتبط به دستوريا، وهذا ما جاء على لسان رئيس الجمهورية إبراهيم رئيسي، الذي تطرق إلى مرونة النصوص الدستورية وبأنها قابلة للنقاش والتعديل، إذ قال "دستور إيران ليس فيه أي طريق مسدود، وأن تنظيمه، وصياغته، ووضع اللمسات الأخيرة عليه، تمت بطريقة لن تواجه أي مأزق في تنفيذ الدستور، وإدارة شؤون البلاد".
كلام الرئيس رئيسي يوحي بأن النظام مستعد لطرح مسألة الحجاب الإلزامي للنقاش الداخلي، واتخاذ قرارات جريئة بخصوصه.
مأزق النظام أن خطواته المتأخرة وتلميحاته بقرارات أخرى قد تجاوزتها الأحداث، ومحاولته إعطاء رشوة للمحتجين لم تعد ذات منفعة، إذ أن تسارع الأحداث وتوسع الحراك وارتفاع منسوب القمع والعنف من قبل أجهزة النظام عوامل أدت مجتمعة، بعد قرابة ثلاثة أشهر، إلى أن حركة الاحتجاجات وسعت قائمة مطالبها، ولم تعد كما كانت في بداية الحراك، فما لم يدركه النظام أو يتداركه بعد، أن المجتمع الإيراني المنتفض فعليا على قرارته العقائدية لم يعد ينتظر قرارا برلمانيا أو قضائيا لكي يسمح للمرأة أن تنزع غطاء الرأس في الأماكن العامة، فما يحدث الآن في شوارع المدن الإيرانية هو إرادة مجتمعية أقوى من قرارات السلطة، وبات النظام أضعف من أن يرفضها أو يحاسب عليها، لذلك قرر على مضض أن يتقبل المشهد وأن يتعايش معه، ولو مؤقتا.
في المقابل، يبدو أن الشارع الإيراني، الذي بدأ يؤسس لحالة تمرد طويلة الأمد، عصي على الرشوة، ولم يُعر قرارات النظام أي اهتمام وقرر المضي قدما، موقف الشارع والمحتجين اختصرته الناشطة الإيرانية مسيح علي نجاد في تغريدتها يوم الأحد الفائت، إذ اعتبرت أن قرار النظام تكتيكيا هدفه وقف الانتفاضة التي تجتاح البلاد، وأضافت "أن الإيرانيين لم يواجهوا الرصاص لإسقاط شرطة الأخلاق وإنما لإسقاط النظام."
عود على بدء، إلى النظام المتأخر في التوقيت وفي المضمون، تأخر لدرجة أن مسار الاحداث تحول إلى كابوس يؤرق استقراره ويهدد تماسكه، فإذا تشدد سيزداد مأزقه وإذا تراخى سيتسع مأزقه أيضا.
--