"لا تقل أفريقيا عن الصين موضوعياً من حيث المقومات، الطبيعية كما البشرية"
"لا تقل أفريقيا عن الصين موضوعياً من حيث المقومات، الطبيعية كما البشرية"

إذا تعقّل كافة الأطراف في أدائهم ما يحقق مصالحهم دون الإطاحة بالاستقرار الدولي، وليس ثمة ضمانات بهذا الشأن طبعاً، قد يكون العالم سائراً باتجاه الندية القطبية بين الولايات المتحدة والصين، على المستوى الاقتصادي بالتأكيد، إنما أيضاً فيما يتعداه، سياسياً وربما عسكرياً.

لا ينفي ذلك أنه يبقى لروسيا، ما لم تدمّرها مغامرات قيادتها المتعنتة والخطابات الوجودية الانتحارية، وزناً فاعلاً، بحكم امتدادها ومساحتها وتسلحها، وإن كان في هذا الجانب ضمور مرتقب.

وبدلاً من الحديث عن دول مجموعة "بريكس" مجتمعة، حيث ما يفرّقها أكثر ممّا يجمعها، فإنه لا بد من متابعة أحوال الهند، والتي يرتقب أن تصبح الدولة الأولى من حيث تعداد السكان في القريب العاجل، وما إذا كانت سوف تنجح بكبح جماح طيشها العقائدي الطائفي المعكّر لمصلحتها الموضوعية باستيعاب كل مواطنيها والتعويل على طاقاتهم المنتجة.

وإذا كان اتحاد دول "بريكس" هلامياً أو وهمياً، فإن تحقق الوحدة الأوروبية، بما يتجاوز الإطار الهشّ القائم حالياً، دون أن يبلغ مستوى الصلابة الناقض للشخصيات الوطنية للدول الأعضاء، يبدو شرطاً لكي تتمكن القارة من المحافظة على موقعها في مصاف الدول الكبرى، بعيداً عن ميراث الموقع المستمر شكلاً وحسب لكل من بريطانيا وفرنسا، سيما وأن كافة الدول الأوروبية سائرة باتجاه الانكماش السكاني الحاد، والذي لا يلطّفه إلا قدوم المهاجرين، عبر السبل المرسومة وخارج الأطر القابلة للضبط على حد سواء.

بعد عقود قليلة، وفق التوقعات المنهجية للأمم المتحدة، قد يصل تعداد البشر عالمياً إلى عشرة مليارات، تتراجع حصة الصين منهم مما هي عليه اليوم، أي زهاء مليار ونصف المليار إلى نصف ذلك أو أكثر بقليل (تقريباً 800 مليون)، فيما الولايات المتحدة، تستمر بالنمو السكاني ولكن بنسبة منخفضة، لتلامس 400 مليون، مع تبدل في تركيبتها العرقية.

يمكن توقع مفارقات عديدة، كأن تبلغ مصر 200 مليون وتتقدم على روسيا مثلاً في تعداد السكان، وكأن تتراجع كل من تركيا وإيران لتكونا مجتمعتين أقل من مصر، ما ينذر بتحولات عميقة على مستوى المنطقة.

على أن التفصيل الأكثر بروزاً يتعلق بما سوف تشهده أفريقيا، والتي سوف ينتقل إليها مركز الثقل السكاني عالمياً، ليرتفع تعدادها ما يقارب ثلاثة أضعاف، ولتجمع في دولها ما يقارب من ثلث البشرية، أي أكثر من 3 مليارات.

ليس من باب المبالغة بالتالي القول إن مستقبل أفريقيا، مع نهاية هذا القرن، هو مستقبل الإنسانية جمعاء. أي أنه في حال أحسنت أفريقيا إدارة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن من شأنها ألا تكون في الصدارة السكانية وحسب، بل أن تتبوأ مكانتها الواعدة كأرض الفرص للنصف الثاني من هذا القرن وما يليه. أما إذا أساءت أفريقيا إنجاز هذه المهمة، فإن عواقب الفشل لن تقتصر عليها، بل سوف تنتقل، مع المزيد من المهاجرين، إلى سائر مناطق العالم.

الإشكالية في مقاربة نجاح أفريقيا أو فشلها هذه، هي أنه ليس ثمة شخصية معنوية فاعلة لـ "أفريقيا". أي أن الفصل الأخير من القرن العشرين والفصل الأول من القرن الحادي والعشرين قد يُسجّلان تاريخياً على أنهما حقبة صعود الصين واعتلائها موقعها المرتقب، بناءً على ما لديها، كقوّة عظمى اقتصادية، ثم ربما سياسية وعسكرية.

على أن ذلك قائم على واقع أن "الصين" هي صين واحدة، وليس المقصود هنا الموقف السياسي للصين الشعبية والساعي إلى ضمّ تايوان، طوعاً أو عنوة، بل حقيقة أن الصين، ببرّها الواسع وتعداها السكاني الهائل، في مرحلتها الحاسمة للارتقاء من حالة التردي والضعف والفقر إلى تحقيق بنية تحتية وتصنيعية متينة واستجماع الثروة والقدرات، كانت (ولا تزال) ذات سلطة مركزية مطمئنة إلى استمراريتها، وبالتالي جادة في سعيها إلى تطبيق خطط التنمية، وقادرة بحكم التنظيم والزخم الناتجين عن الاقتناع بديمومة البلاد، وهي الدولة المتواصلة على مدى الألفيات المتعددة، وبصرف النظر عن الفساد الموضعي، على تحقيق الإنجاز التاريخي الذي تؤهلها له مقوماتها الطبيعية والبشرية.

لا تقل أفريقيا عن الصين موضوعياً من حيث المقومات، الطبيعية كما البشرية. ولكنها تفتقد المرجعية الواحدة، سواء على مستوى السلطة السياسية القادرة على اعتبار خطط التنمية وتطبيقها، أو على مستوى الهوية المعنوية والتاريخية الكفيلة بتسهيل التحولات في الأحوال الريفية والمدنية، من نزوح سكاني وتبديل في أنماط الإنتاج والاستهلاك، والتي تنتج حكماً عن أي مشروع تنمية شامل.

بل أفريقيا هي اليوم زهاء 55 دولة تتفاوت في طبيعة النظم السياسية وفي توفر الثروات ومستويات الفساد، وإن كانت في معظمها في الرتب الدنيا في هذه الأوجه عالمياً.

الخشية دائمة في أوساط الطبقات الحاكمة في معظم الدول الأفريقية ألا تتمكن من البقاء في موقع السلطة والنفوذ والثروة، ما يجعل اغترافها من الموارد العامة أكثر جشعاً، وما يؤكد لعامة المواطنين وهن التعويل على أي نجاعة للنظام السياسي، ما يغذّي الانتماءات الفئوية والولاءات الخاصة دون الوطنية.

أي أن التحدي الذي تواجهه المجتمعات الأفريقية مزدوج، تحرير الدولة من النخب الناهبة ودفعها باتجاه تنفيذ الصالح العام من جهة، والتأسيس لثقة المواطن بدولته ومؤسساتها للتعويل عليه في تطويرها من جهة أخرى.

أما "الاتحاد الأفريقي"، كما حال "جامعة الدول العربية"، فهو أقرب إلى منتدى للطبقات الحاكمة منه إلى مشروع مرجعية موحّدة.

والمعضلة، في أفريقيا كما في نواحٍ مختلفة من العالم (بما فيها الفاشل والضعيف من دول المحيط العربي، لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها)، هي أن هذا التحدي المزدوج لا يمكن معالجته إلا تراكمياً من خلال جهود أصحاب الرؤى والإخلاص ضمن الطبقات السياسية، في مواجهة الميل الطبيعي الغالب لهذه الطبقات للمثابرة على الاستثراء الآني، ومن خلال الضغط الفاعل البناء، أي القادر على جلب انتباه الحكام والتأثير على قرارهم دون الإفراط في الضغط إلى حد الأذى.

وهذا يأتي ضمن حساب الخسارات المدروسة، من جانب المجتمع المدني بكافة أشكال التعبير المفيدة فيه، سياسية نقابية إعلامية أهلية فكرية. على أن التنسيق بين هذين الصفين من الجهود الإيجابية، تلقائياً أو بإرادة سياسية، أو حتى السعي إلى عدم التعارض، ضمن كل صف وفيما بينها، ليس بالأمر السهل، أو الثابت، أو المحتّم.

النتيجة في أفريقيا أن محاولات التنمية والإصلاح السياسي قد جاءت في معظمها باهتة ومشتّتة وغير مهيّأة للاندماج على مستوى القارة أو حتى المنطقة منها، حيث هي ليست كاذبة، رغم بعض الإنجازات المحلية.

وإذا كانت بعض القراءات قد لحظت أن نجاح التجارب الآسيوية (اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان، ثم إلى حد ما ماليزيا وإندونيسيا وفيتنام)، قد جاء نتيجة التعاقب الزمني للتنمية ثم الإصلاح السياسي وليس تزامنهما، حيث تحقق الارتقاء الاقتصادي في ظل سلطويات صارمة، قبل أن تباشر هذه الدول بعملية تحول سياسي نحو النظم التمثيلية القائمة على سيادة المواطن، فإن الحديث عن جدوى الاستفادة من هذه التجربة أفريقياً قد ينضوي على مغالطات.

الزعم هنا هو أن الدول الأفريقية، إذا اعتمدت على حكومات قوية غير مقيّدة بضوابط الإصلاح السياسي المستوردة، من شأنها تحقيق "القفزة" للانتقال من واقع مفتقد للبنى والتصنيع إلى مستقبل يتمكن من إيجاد المفقود ويعتمد على اقتصاد المعلومات، وذلك من خلال تطبيق صارم لمشاريع التطوير في الخدمات العامة والصحة والتعليم. كما سنغافورة ودول الخليج العربي، كذلك الدول الأفريقية ذات الثروات الطبيعية عند الحد الأدنى، يمكن توقع "القفزة" من الماضي إلى المستقبل فوق المراحل الانتقالية البطيئة والمتعبة.

ولكن سجِل التاريخ القريب يناقض هذا الزعم. الغابون وأنغولا وغينيا الاستوائية والكونغو كينشاسا وغيرها، فيها من الثروات ما كان ليجعل "القفزة" أمراً سهلاً، والنخب فيها قد أمعنت بالسلطوية والاستئثار بالحكم ما شاءت وابتلاع الثروات حتى التخمة. ولكن هذه الدول لم تقفز. 

ما يجعل هذه الدول، وسائر أفريقيا مختلفة عن الدول الآسيوية الناجحة هو أن دول آسيا هذه ذات عمق تاريخي متفق عليه في مجتمعاتها، في حين أن الدول الأفريقية قد اقتطعها الاستعمار. نعم، الاستعمار.

نيلسون مانديلا، الرئيس الأفريقي الجنوبي الراحل قال يوماً: "لا بد من الانتهاء من البحث عن أسباب الأحوال الحالية لقارتنا خارجها، ولا بد من أن نتحمل كامل مسؤوليات الإصلاح والتنمية". هو كلام يصلح كشعار رئيسي في أي مشروع نهضة، ولكنه لا ينفي الحقيقة التاريخية التي منعت المجتمعات الأفريقية من أن تتشكل كدول متجانسة، وفرضت عليها أن تتوزع في دول تحوي أنصاف مجتمعات، تتحاور مع الأنصاف المقتطعة منها عند الحدود بالتهريب وغيره خارج إطار الدولة، وتتفاعل مع الأنصاف المضافة إليها بالريبة والخشية ضمن الدولة الواحدة.

ثم أن العقود التي مرّت منذ الاستعمار والاستقلال قد أرست واقع الدولة الأفريقية الجديدة المكاني بشكل تنتفي معه إمكانية العودة إلى إعادة صياغة الدول كما كانت لتكون، دون أن يؤسس لهوية وطنية واحدة، إلا من خلال استدعاء الطروحات "السلبية".

أبرز الطروحات السلبية هو الاستعمار أولاً وطبعاً، أي أن المسؤولية عن التردي هي له. كلام فيه حق ولكن غالباً ما يراد به باطل، ولذا كانت مقولة مانديلا.

ومن "السلبيات" أيضاً آثار الاستعباد، وهنا أيضاً حقائق أكيدة، إنما منتقاة في الكلام المؤدب العلني، لطمس واقع أن بعض الأوساط القومية والعرقية والقبلية تتذكر مشاركة أخرى في جوارها في فعل الاستعباد.

وربما أهم "السلبيات" هي اليوم الاعتراض على العنصرية التي يواجهها الإنسان الأسود في كافة أنحاء العالم، والبناء على وعي عرقي عالمي لنصرته. وفي الأمر، بالإضافة إلى إنكار أن أفريقيا ليست حكراً على الإنسان "الأسود"، تجاهل كبير للتمايز في صفوف هذا الإنسان بين الأعراق والقبائل والشعوب، أي أنه "أسود" حصراً عند استدعاء "الأبيض" (أو المستعمر أو المستعبد)، وفي الخطاب العلني. أما على أرض الواقع، فحالة السودان الجنوبي، والكثير غيرها، تقدّم المادة الاعتراضية على زعم الوحدة العرقية.

مع انتفاء الهوية الوطنية كصفة أولية، لا إمكانية لقيام سلطوية وطنية تعبر بالبلاد إلى التنمية تحضيراً للإصلاح السياسي. بل ليست الهوية الوطنية الأولية بحد ذاتها ضامنة لهذه الإمكانية. هل من دولة في العالم تفوق مصر في عراقة هويتها الوطنية؟ مصر التي كانت وكوريا الجنوبية في الستينيات على التساوي في الأحجام الاقتصادية والسكانية، هي اليوم نقيض كوريا الجنوبية الناجحة وذات المؤسسات المستتبة.

أي أنه لا سبيل للدول الأفريقية للسير قدماً إلا بالعمل المزدوج على التنمية الاقتصادية الاجتماعية والإصلاح السياسي. هي حقيقة تدركها الجهات الصادقة في العديد من هذه الدول، وتنشط باتجاهها رغم العوائق الذاتية والعالمية والمناخية والبيئية وغيرها.

يصح بالتالي القول إن الدفع في المجتمعات الأفريقية ذاتي، وهو وحده القادر على التدرج في التقدم. رواندا وأوغندا وغانا بالإضافة إلى أفريقيا الجنوبية وغيرها، قد شهدت خطوات عديدة إلى الأمام، وإن عانت من تراجعات في أكثر من موقع.

المسعى جدلي باتجاه إيجاد الصيغة، كل دولة على أساس تحدياتها، ثم في جوارها، فعلى مستوى القارة. الشراكات مع العالم الخارجي مطلوبة وضرورية وملحّة. البعض، ربما الكثر، يريدونه تعويضاً عن مظالم تاريخية وعن تفاوت في التسبب بالأعباء البيئية وتحمل تبعاتها. قد ينجحون إلى قدر ما بهذا المسعى، دون أن يكون جلياً لصالح من يصرف هذا النجاح. ربما أن استدامة الشراكات أكثر قابلية للتحقيق حين تكون المصلحة واضحة ومستقبلية، بعيداً عن النظريات.

الولايات المتحدة والصين وروسيا والدول الأوروبية، كما دول الخليج والهند، بل حتى إيران، تلتزم كل على حدة توجهات خاصة بها حول كيفية التأثير والحضور في القارة الأفريقية. وفي داخل القارة نفسها منافسة واضحة بين دول قادرة وفاعلة (أفريقيا الجنوبية وإثيوبيا ومصر والجزائر والمغرب)، كل تسعى لتمتين الصلات مع سائر دولها.

الحقيقة المرّة هي أنه مع غياب المرجعية، وإن الشكلية المعنوية، لهوية أفريقيا جامعة، فإن التجاذب بين هذه الدول، داخل القارة وخارجها، من شأنه أن يشكل عقبة أمام صعود هادئ لأفريقيا نحو اعتلاء مقامها الممكن.

حسابات كل طرف مبنية على منطق الحصيلة الصفرية، أي أن تحقيق مصلحته تقتضي خسارة طرف مقابل لمواقعه. ربما. يبقى الرأي المعزّز بالمعطيات، الذاتية والمقارنة، أن نجاح أفريقيا إن حصل هو تحقيق للاستقرار وتعزيز للرخاء ومضاعفة للتقدم في مختلف أرجاء العالم، فيما فشل أفريقيا يفتح الأبواب أمام عواقب خطيرة ولا سيما في جوارها المباشر، من الخليج إلى أوروبا. قد تكون هنا المعادلة التي من شأنها الدفع باتجاه التلاقي لتحقيق هذا النجاح.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.