من التظاهرات في الصين
جانب من تظاهرات الصين

شهد النصف الثاني من شهر نوفمبر الماضي مظاهرات واسعة غطّت عشرات المدن الصينية بما فيها شنغهاي وبكين ووهان وأغلب المناطق الصناعية التي تتركّز في شرق وجنوب الصين، وجاءت هذه المظاهرات للاحتجاج على إجراءات الحجر الصحي التي اتبعتها الحكومة الصينية لمواجهة انتشار موجة جديدة من فيروس كورونا، حيث تم احتجاز ملايين الأشخاص في منازلهم وإغلاق مداخل أبنيتهم وأحيائهم لعدة أسابيع مما ترك بعض السكان دون طعام كاف مع وقوع وفيّات نتيجة عدم تمكّن سيارات الإسعاف والإطفاء من دخول هذه الأحياء بالسرعة المطلوبة، لذلك كان أول ما قام به المتظاهرون هو تحطيم وإزالة تلك الحواجز. 

ولكن رغم أن شرارة هذه المظاهرات كانت إجراءات تتعلق بكورونا، لكن الشعارات التي رفعها المتظاهرون ذهبت أبعد بكثير من ذلك ووصلت إلى المطالبة بتنحي الرئيس الصيني، شي جينبينغ، والانتهاء من حكم الحزب الشيوعي، وكان من شعارات طلاب الجامعات، "الديمقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون، نحن بحاجة إلى حقوق الإنسان بحاجة إلى الحرية، لا نريد ديكتاتورية أطلقوا سراح الناس، افتح عينيك أيها الصيني وأنظر إلى العالم"، كما تعاطف بعض المتظاهرين مع شعب الأويغور المُضطهد في الصين وثورة النساء في إيران. 

ثم تحوّل رمز الاحتجاجات إلى رفع ورقة بيضاء أصبحت حسب رأي المتظاهرين "تعبيراً عن كل أسباب احتجاجنا رُغم أننا لم نكتب عليها شيئاً"، وتساءل بعضهم هل سيعتقلوننا لأننا نحمل ورقة أو وردة بيضاء، كما سببت مُشاهدة كأس العالم وعشرات آلاف المشجعين المُتلاصقين على المدرجات بدون أقنعة مزيداً من الإحباط عند الصينيين مما دفع الحكومة لتقييد مشاهدة بعض المقاطع خصوصاً تلك التي نقلت احتفالات المشجعين ورُفعت فيها أعلام اليابان وكوريا الجنوبية المجاورتين للصين والذين حقّقا نتائج جيدة في هذه البطولة وتعيش شعوبهما حياة رخاء وسعادة في ظل نظام ديمقراطي. 

لأن مشاهد المونديال أكّدت على أن العودة لقيود كورونا حدثت فقط في الصين من بين جميع دول العالم مما أثار الشكوك حول مدى فعالية اللقاحات الصينية التي قالت بعض الدراسات إنها كانت بحدود 50 في المئة وتنخفض مستوياتها بالدم وقدرتها على الحماية بسرعة بعد عدة أشهر من إعطائها، ورغم ذلك لم تسمح الحكومة الصينية باستخدام لقاحات غربية أكثر فعالية بل لجأت لهذا الحجر البعيد عن الإنسانية، كما أُضيف سبب آخر لهذه الاحتجاجات وهو فرض رقابة شديدة على الإنترنت في الصين عبر جيوش من المشرفين الحكوميين بما أطلق عليه اسم "سور الحماية العظيم" الذي يعمل على انتقاء ما هو المسموح والممنوع معرفته على الصينيين.  

ورغم أن هذه أول احتجاجات تحدث في الصين بهذا الاتّساع إلا أن هناك مظاهرة سبقتها قبل افتتاح مؤتمر الحزب الشيوعي في أكتوبر الماضي وكان من شعاراتها "نعم للحرية لا للكذب نعم للكرامة نعم للإصلاح لا للقائد العظيم، نعم للتصويت لا تكن عبداً كن مواطناً، اطردوا الديكتاتور"، وقبلها في شهر يوليو الماضي تظاهر الآلاف في عاصمة مقاطعة هينان مندّدين بفساد السلطات وعنفها بعد أن قامت المصارف بإيقاف عمليات السحب النقدي لعدة أشهر نتيجة التباطؤ الاقتصادي مما ترك صغار المودعين بدون أموال، وتعرّض المتظاهرون وقتها للضرب والاعتقال، كما سبقتها احتجاجات هونغ كونغ التي استمرت من مارس 2019 حتى نوفمبر 2020. 

ويُدرك جميع المتابعين للشأن الصيني أن لدى الحكومة الصينية خيارات كثيرة للتعامل مع مثل هذه الاحتجاجات فهي تستطيع إنزال مئات الآلاف من عناصر الأمن وأعضاء الحزب الشيوعي إلى الشوارع واعتقال العدد الذي تريده من المتظاهرين ومحاكمة الآلاف باتهامات مُلفّقة كما بإمكانها استخدام كاميرات المراقبة المنتشرة في كافة الشوارع وبرمجيّات التعرّف على الوجوه وتتبّع الهواتف لاعتقال النشطاء، ولكنّ ذلك لا يُغير من حقيقة وجود رفض شعبي واسع لسلطة الرئيس شي والحزب الشيوعي، ولا يجب الاستهانة بقدرة الشباب الصيني الذكي والمُثابر والعنيد على إيجاد الوسائل التي ستساعده في النهاية على تحقيق ما يريد. 

ومشكلة الصين الحقيقية لم تبدأ اليوم بل تعود جذورها إلى أيام الرئيس دينغ سياو بينغ الذي أسّس في نهاية سبعينات القرن الماضي نظاماً هجيناً يقوم سياسياً على ديكتاتورية الحزب الواحد وفي نفس الوقت يفتح الباب أمام الاقتصاد الحر، وحققت هذه السياسة نجاحاً مذهلاً نقل الصين من بلد يموت فيه الملايين جوعاً إلى ثاني اقتصاد في العالم استوطنت فيه أهم الصناعات وأكبر الشركات العالمية نتيجة توفّر يد عاملة نشيطة وماهرة ورخيصة مترافق مع أمان واستقرار، ولكن سرعان ما ظهرت الآثار التي يبدو ان دينغ سياو بينغ لم يحسب حسابها. 

فمع ارتفاع مستوى المعيشة ظهرت في الصين طبقة متوسطة واسعة بلغت أعدادها مئات الملايين، وكانت هذه الطبقة أكثر تواصلاً مع العالم الخارجي وتعيش حياة قريبة من النمط الغربي من ناحية لباسها ومظهرها الخارجي وما تتقنه من لغات وما تشاهده من أفلام وبرامج وما تسمعه من موسيقى، ثم ما لبثت هذه الطبقة أن طالبت بتوفير خدمات صحية وتعليمية وبنية تحتية بمواصفات قريبة من دول الغرب كما شعرت أن من حقها المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية. 

وبالإضافة إلى هذه الطبقة أصبح عدد رجال الأعمال الذين يملكون أكثر من مليون دولار بالملايين بينهم أكثر من ألف يملكون أكثر من مليار دولا، ويرتبط بالكثير من هؤلاء آلاف الصينيين الذين يعملون في مؤسساتهم أو يتلقّون مساعداتهم ولذلك كان من الطبيعي أن يطمح بعضهم إلى لعب دور سياسي، مما دفع  الحكومة الصينية للقيام بحملة على رجال الأعمال شملت "جاك ما" مؤسس شركة "علي بابا" التي لديها 800 مليون متسوّق عبر العالم وتم توجيه اتهامات رسمية للشركة بالقيام بممارسات احتكارية مما أدى إلى ندرة ظهور هذا الملياردير للعلن بعد أن كان صاحب نشاطات اجتماعية واسعة ومواقف جريئة وصلت حد انتقاد النظام المالي في الصين بأن "المصارف الصينية تعمل بعقلية مكاتب الرهانات"، ونتيجة ضغوط الحكومة الصينية فقدت أسهم شركات "جاك ما" عشرات المليارات من الدولارات بما يدل على أن إدارة الرئيس شي تعطي الأولوية للاستقرار والتحكّم في الأمور حتى لو ترتّب عليها خسائر مالية فادحة. 

وضمن نفس التوجّه فرضت الحكومة قيوداً أشد على نشاط القطاع الخاص ترافق مع  إعادة الاعتبار لأفكار ماو تسي تونغ الاشتراكية مما سيؤدي إلى تراجع الإستثمارات، أي أن النظام في الصين اليوم أمام خيارين إما زيادة القبضة الأمنية وسيطرة الدولة على الاقتصاد وتراجع دور القطاع الخاص والذي سيؤدي إلى إنخفاض في مستوى المعيشة قد لا يتقبّله الجيل الحالي الذي اعتاد على مستوى حياة أفضل، أو الإستمرار في سياسة الإنفتاح الإقتصادي رغم أن ذلك سيعني زيادة المطالب بانفتاح سياسي مواز والذي سيهدّد على المدى البعيد حكم الحزب الواحد. 

وفي النهاية أوضح عام 2022 المليء بالأحداث أن القوة الحقيقية لروسيا عسكريا واقتصاديا أقل بكثير من ما كان يظهر في استعراضات بوتين وأسلحته  الخارقة التي كان يصدّقها أغلب الرأي العام العربي، كما أثبتت "ثورة النساء" في إيران أن أغلبية كبيرة من الشعوب الإيرانية ترفض نظام الجمهورية الإسلامية والحياة خارج العصر والصراعات الطائفية التي لا تنتهي، وأتت أخيراً مظاهرات الصين لتؤكّد أن أنظمة الحكم الديكتاتورية والفردية لم تعد صالحة لهذا العصر، ولكنّ الطريف أن الصين وروسيا وإيران هي الدول التي تهدّد الديكتاتوريات العسكرية العربية بالتحالف معها كلما تعرّضت لانتقادات وضغوط من دول الغرب والمنظمات الدولية، وربما من الأفضل للدول العربية الاستفادة من ما حدث في الدول الثلاث والإلتفات إلى مطالب شعوبها وتوسيع هامش الديمقراطية والحريات وإحترام حقوق الإنسان قبل فوات الأوان. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.