ميشال عون
قوة التيار العوني مستمدة من تحالفه مع حزب الله

ليس ما نشهده في لبنان من احتقان بين حزب الله والتيار العوني، نهاية "تفاهم مار مخايل". فالتفاهم كان بداية استتباع في مقابل أثمان زهيدة دُفعت لميشال عون ولاحقاً لصهره جبران باسيل، وبما أن الاستتباع تم ولم يعد ممكناً العودة عنه، فإن جبران سيقبل بأثمانٍ أقل بعد أن تقاعد عمه. تصريحات جبران، في أعقاب احتقان علاقته بحزب الله، تؤشر في كل جملة "تصعيدية" رددها إلى أنه بصدد العودة عنها. 

"التفاهم" بخير، والاحتقان لا يرقى إلى مستوى التهديد بإطاحته. جبران من دون حزب الله أقل من يطيح بنصاب أمن لحزب الله نفوذاً في السياسة موازياً لنفوذه الأمني والعسكري. وهو يعرف أن بمستطاع حزب الله تفكيك تكتله النيابي، وله بما جرى في قضية انعقاد مجلس الوزراء درساً لكي يتعض، فهو بغمزة عين استدعى وزيراً من تكتل باسيل ليؤمن النصاب للجلسة. 

للحزب حصة وازنة في التيار وفي تكتله النيابي، ولم يعد ممكناً تخليص الخيوط العونية من الخيوط الحزب اللهية التي تشكل نفوذ باسيل، ونفوذ عمه. ثمة أكثر من درس وإشارة على هذا الصعيد، بدءاً من حزب الطاشناق، ومروراً بنائب رئيس مجلس النواب الياس أبو صعب ووصولاً إلى نائب جزين السابق زياد أسود.

العونية في أعقاب "تفاهم مار مخايل" لم تعد هي نفسها قبله. والعونية من دون حزب الله انحسرت، وصارت دائرة ضيقة من المستفيدين الذين أنعم عليهم جبران بالعطاءات. وهي على كل حال طبقات متفاوتة الولاء وموزعته بين مراكز قوى ليس جبران وحده من يتحكم بوجهتها. لكن التيار العوني في تذرره وذوائه لن يعدم مساعدة من الحزب تغيثه وتنتشله من احتمالات الفناء، فليس للحزب من مسيحيين غيره.

نحن لا نشهد نهاية "تفاهم مار مخايل" الذي حكم الحياة العامة في لبنان منذ ولادته قبل نحو 17 عاماً، لكننا نشهد أفولاً وذواء للعونية بوصفها التيار المسيحي الأوسع. وهي في مرحلة الأفول ما زالت تشكل حاجة لحزب الله، وهذا الأخير لديه القدرة على التحكم بمساراتها. لكن هذه الحاجة لم تعد تصلح للمقايضة بأثمان كان سبق أن دفعها الحزب لمُستَتْبعه المسيحي، فهي في وضعها الراهن لا تساوي أكثر من حصة في الحكومة.

إنها بداية نهاية وظيفة المسيحيين في لبنان. الطريق الذي شقه ميشال عون نحو الهاوية. فالاستعصاء اللبناني هو في جوهره استعصاء مسيحي، ذاك أن السنة في سباتهم الراهن، وفي انكفاء زعامتهم وتقهقرها، راسخون في موقعهم بوصفهم امتداداً لأكثرية يصعب حتى على حزب الله تفاديها. أما الشيعة فالأمر لهم هذه الأيام، وحزب الله هو القوة الراجحة اليوم. 

المسيحيون في ذروة "إحباطهم" في زمن الوصاية السورية، كانوا قوة محدِدة ومرجحة، وكانوا بوصلة اجتماعية واقتصادية، وكانوا المجتمع العميق الذي يؤشر اللبنانيون إليه بوصفه نموذجهم. أما اليوم وبعد أن ساقهم ميشال عون إلى مصائرهم الراهنة، وقايض بهم السلاح والنفوذ والفساد، فقد فقدوا ما كانوا يتمتعون به من جاذبية ومن طاقة على مخاطبة طموحات غيرهم من اللبنانيين. 

سيواجه حزب الله صعوبة في إيصال مرشحه المعلن سليمان فرنجية إلى بعبدا، طالما أن الأخير لا يملك "غطاء مسيحياً"! إلا أن الصعوبة هذه هي من "عدة الشغل" التي تولد منها التسوية. وهي تسوية ستؤمن للحزب مخرجاً يناسبه. فالرئيس العتيد سيولد من صفقة لن تكون على حساب حزب الله، ومن يتوهم غير ذلك عليه أن يشيح بوجهه عن المشهد الداخلي الذي يملك فيه الحزب الغلبة على كل حال، وأن يتأمل بالمشهد الإقليمي والدولي، ويلاحظ أننا لسنا في مرحلة ما بعد حزب الله. إسرائيل أنجزت مع الحزب تسوية الحدود البحرية، وأوروبا لا تريد إلا النفط والغاز من إيران والعراق، ولاحقاً من لبنان ومن إسرائيل، وأميركا ستواصل عقوباتها، لكن آخذة بعين الاعتبار مصالح حلفائها مع الحزب ومع رعاته في طهران.

أما لبنان، وفي ظل الشلل المسيحي فيه، فلن يحظى برئيس للجمهورية في موعد قريب، وذلك لن يزعج الحزب طالما أن الوظيفة الراهنة لهذا البلد هو استمراره بوصفه ساحة مفتوحة.
الكوابيس ستواصل اشتغالها. لا كهرباء ولا ماء ولا خدمات صحية، والفراغ سيصبح سمة ثابتة، والنجاة لن تكتب إلا لمن ينجح بالمغادرة.

هذا المصير هو حصيلة سنوات مديدة من العمل الدؤوب الذي نجح فيه حزب الله في الانتقال بلبنان إلى ما هو عليه اليوم، وساعده في مهمته كل من شاركه بحكومة وبانتخابات وبـ"تفاهمات". 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.