قوارب الموت
لماذا يخاطر العرب بالهجرة على قوارب الموت؟

في أول عهد حكومة الدكتور عمر الرزاز في الأردن اجتاح هاشتاغ "هاجر يا قتيبة" شبكات التواصل الاجتماعي. والقصة بدأت بسؤال وجهه الشاب قتيبة البشابشة لرئيس الوزراء - آنذاك – الرزاز يسأله إن كانت الأوضاع ستتحسن في البلاد، أم يبحث عن مكان يهاجر إليه، فنصحه الرئيس الرزاز بالعدول عن فكرة الهجرة، في حين أن غالبية مستخدمي السوشيل ميديا طالبوه بالرحيل والهجرة. 

تذكرت هذه القصة الطريفة، التي تحمل مؤشرات على واقع الحال، وأنا أطالع نتائج استطلاع "الباروميتر العربي" عن الهجرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولم تصدمني المؤشرات الخطيرة التي تُظهر أن خمس سكان العالم العربي يفكرون بالهجرة. 

في أوائل التسعينيات من القرن المنصرم نصحني صديق - رجل أعمال أردني – ويحمل الجنسية الكندية أن أقدم أوراقي للسفارة الكندية طلبا للهجرة، وكانت في ذلك الوقت سهلة جدا، وكنت في أوائل الثلاثينيات من عمري، ووعدني هذا الصديق بتقديم كل التسهيلات، والضمانات البنكية التي أحتاجها للحصول على الجنسية بأسرع وقت، ولكنني وبإصرار رفضت حتى التفكير بالأمر، وكنت بحماسي الثوري أعتبر هذه الخطوة خيانة لنفسي، ومبادئي، ووطني، وكنت أعتقد أن واجبي التغيير في عالمنا العربي، وليس الهروب، هذا عدا عن نظرتي - آنذاك - أن الغرب يمثل "الإمبريالية" التي كانت سببا في البلاء الذي نعيشه في أوطاننا. 

استمع صديقي لمرافعتي، وصبر على انفعالاتي، واتهاماتي له، وأجابني: لا تفعل ذلك من أجلك، احصل على الجنسية الكندية من أجل أبنائك، من أجل أن تضمن لهم أن يتعلموا في جامعة "ميغيل"، وأن يحصلوا على خدمات صحية مميزة، وأن لا يشعروا بالخوف من المستقبل حين يكبرون. تجاهلت كلامه، وكلما لاحت الذكريات، وكلما مررت بأزمة، أو حملة استهدفتني، شعرت بالغصة، والندم. 

تحتاج قصة الهجرة إلى الغرب إلى قراءة متأنية، وبحث في أسبابها، وتداعياتها. ومرعب أن ترى أن هناك من يخاطرون بحياتهم، ويمتطون "قوارب الموت" هربا من بلدانهم، وأملا أن يصلوا إلى ضفاف دول تفتح لهم بوابة آمنة للمستقبل. 

الأرقام التي قدمها "الباروميتر العربي" تُشير إلى أن 48 بالمئة من الأردنيين يفكرون بالهجرة، وهي النسبة الأعلى في العالم العربي، وأدنى النسب في مصر وتصل إلى 13 بالمئة، ويؤكد المؤشر أن الظروف الاقتصادية تتقدم الأسباب للبحث عن الهجرة، لكنه لا يستبعد المشاكل الأمنية، والفساد، وفرص التعليم، والوضع السياسي من قائمة الدوافع للهجرة. 

والمؤلم في هذه المعطيات الرقمية أن الكثير من الشباب في العالم العربي مستعد للهجرة حتى بأوراق غير رسمية، متجاهلين المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها، والأرقام والنسب ليست قليلة، وفي بلد مثل المغرب تصل إلى 53 بالمئة، وتونس 41 بالمئة، والعراق 39 بالمئة. 

وفي التفاصيل ما يبعث على الاستغراب، فالأغلبية التي تريد، وتبحث عن الهجرة هم الحاصلون على الشهادات الجامعية، وهذا يعني أنهم يحملون مؤهلات للمنافسة، والدخول إلى سوق العمل، غير أن الواقع الاقتصادي الطارد يجعل أحلامهم صعبة، خاصة في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وتقدم "الواسطة" على الكفاءة في العثور على فرص العمل. 

لو سألت البسطاء في عالمنا العربي لماذا يفكرون بالهجرة، ستتدفق إجاباتهم بسرعة، فهم يعيشون المعاناة يوميا، على الرغم من أن العالم العربي غني بالموارد، ويُفترض أن يوظف هذه الموارد البشرية لصناعة نهضة اقتصادية، والنموذج الصيني يقدم رؤية حول ما يمكن أن تصنعه القوى البشرية للنمو، والتقدم، والمنافسة. 

أكثر هاجس يؤرق الشباب، ويدفعهم للتفكير بالهجرة، عدا الأسباب الاقتصادية الفجة، والصادمة لهم، القلق من غياب الاستقرار السياسي، والأمني، الذي يضعهم على أهبة الاستعداد لحمل حقائبهم والرحيل، فالحروب تستعر من حولهم، والصراعات الداخلية تنفجر، بغض النظر إن سُمي ذلك "ربيعا عربيا" أو "خريفا"، والسلطة السياسية مستبدة، ولا ترحم، وتُكشر عن أنيابها غالبا، والمواطنون، والمواطنات ضحايا لغياب مفاهيم المواطنة، وسيادة القانون. 

من المحيط إلى الخليج، وحتى في الدول الخليجية الثرية لا يأمن الناس لمستقبلهم، ويستنزفهم يوميا البحث عن عمل لائق، وتعليم يضمن لأبنائهم وبناتهم الولوج لعالم المستقبل، وخدمات صحية، ونقل عام، يحميهم من العوز حين يتقاعدون، ويشيخون. 

كل يوم يضرب عالمنا إعصار سياسي، فيوم نكون تحت وطأة إرهاب التطرف الديني، ويحتلنا "الداعشيون"، ويصدرون ثقافة الموت، ويوم آخر نعيش احتلالا مباشرا، أو احتلالا بالوكالة، وترتفع أعلام الطوائف، وأعلام من يحكمون باسمهم. 

متواليات من الصراعات، والأزمات لا تنتهي، ويطبق الحصار، ولا أعني فقط الاقتصادي، والسياسي، وإنما يمتد لينتهك الحريات الشخصية، وتُفصل القيم، والمبادئ، والأخلاق على مقاس من يحكمون، أو من ينوبون عنهم، أو من يسيطرون بغوغائية، وشعبوية على الشارع، فيصبح ما تقوله، وما تفكر به، وما تلبسه محكوم لمنطق الفكر السائد حتى وإن كنت لا تطيقه. 

حين شاعت منصات التواصل الاجتماعي، واختصرت ثورة الاتصالات العالم ليصبح قرية صغيرة نتجول بها حينما نريد، ونرى ما نريد، زادت الأصوات التي تريد أن تركب قاربا لتقطع المحيط، وتصل إلى ضفة أخرى، فقد شاهدوا ما كانوا بحاجة أن يروه، تعرفوا على عوالم تحترم كرامة الإنسان، وتحصنه من الخوف من المستقبل، وتوفر له متطلبات الحياة، وأولها الخبز، والحرية. 

هنا لا أكيل المدح للغرب الذي أعرف مشكلاته، ومعاييره المزدوجة، ولكن على كل علاته لا يُقارن بأوطان تعيش خارج التاريخ، ولهذا أضع المقارنات، والمقاربات، لا أمدحهم بل أهجو، وأرثي حالنا، وأقول صراحة لماذا يهجر الناس أوطانهم؟ 

كثير من العائلات، وخاصة الشباب والشابات يفكرون عندما يقررون الإنجاب أن يهيئوا كل الظروف للإنجاب في أميركا، أو كندا، أو دولة أجنبية، حتى يتمتع طفلهم القادم بالامتيازات، والحماية التي يحصل عليها المواطنون. وتذكرت فيلم "عسل أسود" بطولة أحمد حلمي، ويحمل اسم "مصري" بالفيلم، حين يطلب من المضيفة عودة الطائرة بعد إقلاعها لأنه مريض يرفض الكابتن الاستجابة لطلبه، وحين يُخرج جواز سفره الأميركي تعود الطائرة أدراجها فورا. 

32.8 بالمئة نسبة الفقر العربي وفق الخط الدولي، أي ما يعادل 114 مليون مواطن يعيشون حالة الفقر في 14 دولة، والبطالة تقترب من 25 بالمئة، و26 بالمئة نسبة الحرمان من الخدمات الصحية، و25 بالمئة نسبة الحرمان من التعليم، و39 بالمئة مستوى الحرمان المعيشي، حسب تقديرات اللجنة الاقتصادية الاجتماعية "إسكوا"، ويأتي بعد ذلك من يسألك؛ لماذا يهاجر الشباب العربي، ولماذا يحجزون تذكرة ذهاب دون عودة لبلدانهم؟!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.