لاعبو المنتخب المغربي وفرحة عارمة بالفوز
المغرب حقق فوزا تاريخيا على إسبانيا.

- ليس ضروريا أن تذكروننا بترتيبنا في سلم التنمية البشرية مقارنة مع الدول التي انتصر منتخبنا المغربي على منتخباتها... نعرف أن كندا وإسبانيا وكرواتيا وبلجيكا دول متقدمة اقتصاديا وديمقراطيا وحقوقيا واجتماعيا.. لكننا نعرف أيضا أن المنتخب المغربي حقق في كأس العالم انتصارات رهيبة واستثنائية تستحق أن نحتفي بها (بانتظار مباراة ربع النهاية في مواجهة المنتخب البرتغالي). اتركوا لنا حقنا في الفرح والزهو.. مشاكلنا وأعطابنا نعرفها، ونناقشها، وننتفض ضدها. فعلنا وسنفعل.. لكننا، الآن، نستحق أن نفرح وأن نفتخر بمنتخب صنع لنا فرحا لم نعرفه منذ عقود؛ والتحاما شعبيا جميلا حول الوطن ومعنى الوطن. أم أنكم صناع القهر.. حتى في لحظات الانتصار؟ 

- نعم، معظمهم وُلد في بلدان أوروبية وتدرب واحترف هناك. بعضهم الآخر تدرب واحترف أساسا في المغرب. لكن، في النهاية، حتى الأبطال المحترفون في النوادي الأوروبية، اختاروا الانضمام لمنتخب بلدهم الأم، المغرب. فهل هناك إحساس بالانتماء أكثر من هذا؟ المغرب لم "يشتر" انتماء محترفين من بلدان أخرى.. هم أبناء هذا الوطن. أمهاتهم وآباؤهم نقلوا لهم حبه في نبضهم وشرايينهم. تقاتلوا رغم إصابات بعضهم. زأروا. وفعلوا كل هذا من أجل المغرب والمغاربة. أليس هكذا يكون الانتماء للوطن؟ أم أن البعض يفضل تبخيس كل شيء، ما عدا بحثه الحثيث عن كل ما يعتبره نواقص ممكنة؟  

- سيييير يا وليد! شعار المرحلة. وليد الركراكي أثبت لكل المغاربة أن الريادة (leadership) ليست سلطة نفرضها من فوق، بل هي مشروعية تكسبها ممن تعمل معهم. في بضعة أيام، صنع من "سير" (سِرْ) شعارا شعبيا للمرحلة. كلمة مفتاحية تقودنا للأمام وتصنع الأمل في معجزة. معجزة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة صراع وقتال ومجهود يصنعه أمرابط وبونو وبوفال وزياش وحكيمي وبانون والمحمدي وأوناحي وغيرهم من أبطالنا وأبناء وطننا. 

- محمد السادس وهو يحتفل في شوارع الرباط بتأهل المنتخب المغربي لربع النهائي، بعد فوزه الأسطوري على نظيره الإسباني، مرتديا كآلاف المغاربة قميص المنتخب المغربي وفي يده علم البلاد.. يذكرنا فعليا، خارج كل لغات الشعبوية والتصنيف والخندقة، بالتحام هذا الشعب بذاك الملك!

- الجزائريون، بحبهم الجميل للمنتخب المغربي، كرسوا بصدق شعار "خاوة خاوة" حين كانوا يعلنون، بكل فرح، تشجيعهم ودعمهم للمنتخب المغربي، وحين اهتزت مقاهيهم وشوارعهم فرحا بتأهل المنتخب المغربي... رغم إصرار النظام الجزائري على تغييب إنجازات المنتخب المغربي من إعلامه الرسمي. وهل يهم التلفزيون الرسمي، حين تصدح أصوات الجزائريين بالحب والدعم و"الجورة" والثقافة المشتركة؟

- بينما صفق لتأهل المنتخب المغربي صحفيون كثر من الولايات المتحدة وإيطاليا وهولندا ودول أخرى، بعض الإعلام الأجنبي، كقناة الـBBC ، تحدثت عن "تضييع المنتخب الإسباني لثلاث ركلات ترجيحية"، في تغييب تام لاسم المنتخب الخصم الذي فاز باستحقاق بالتأهل للدور المقبل. بالنسبة لصحفيي الـBBC، فهذا مجرد فريق عربي إفريقي...! وإلا، فهل تحدثت الـBBC  بنفس اللغة عن إقصاء المنتخب الأسترالي بعد فوز خصمه البرتغالي؟ هل ألغت البرتغال من خريطة المونديال كما ألغت المغرب؟ بالتأكيد لا.. فالبرتغال ليست عربية ولا إفريقية، والمغرب ليس أوروبيا! عنصرية مقيتة مضمرة! 

- جميلة ومبهجة كانت الاحتفالات بتأهل المنتخب المغربي: فرحت البلدان الإفريقية لأن المغرب إفريقي، واحتفت بنا الدول العربية لأن المغرب ينتمي إليها. احتفت بنا الدول المغاربية للانتماء الموحد ثقافيا وجغرافيا. احتفى بنا أهل غزة ومغاربة تل أبيب.  ونحن في المغرب، كنا نعيش لحظة كالحلم...

- هل نحن عرب أم أمازيغ أم أفارقة؟ ولماذا علينا أن نختار؟ لماذا لا نكون كل هذا، بكل بساطة وغنى وجمال وتنوع؟

- السياسيون يعدوننا بالسعادة وبالإنجازات، ووليد الركراكي ينفذ، من قلب الملعب! "وزير السعادة" كما سمته مواقع التواصل عن جدارة. وليد الركراكي خلق الفرحة. عزز الإحساس بالانتماء كما لم يفعل ذلك أي سياسي. جعلنا نعيش الحلم المغربي. The Moroccan dream.... وليد الركراكي صنع ما لم يفعله مئات البرلمانيين والوزراء والأمناء العامون للأحزاب: وليد الركراكي، ومعه كل أعضاء المنتخب، صنعوا تلك الملحمة، وذلك الإحساس بالفخر وبالانتماء لوطن اسمه المغرب. فشكرا وليد الركراكي ومن معك. وسيييير أوليد!

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.