سوف يدرك الرئيس الروسي أنه لا يوجد طريق أمامه للخروج من مستنقع الحرب. أرشيفية
سوف يدرك الرئيس الروسي أنه لا يوجد طريق أمامه للخروج من مستنقع الحرب. أرشيفية

لا تملك الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي ترف السماح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإفلات بغنيمته من الأراضي الأوكرانية. فإن حدث ذلك لن تكون هناك دولة آمنة في أوروبا أو غيرها، لأنه سوف يعني ببساطة أنه لم يعد هناك قانون دولي وأن على الدول أن تجد طريقها بنفسها للنجاة من الدول الأكبر والأقوى، فيما سيجد أسلوب البلطجة الدولية بيئة خصبة للانتعاش والتسيّد وسوف يحل محل الأعراف والقواعد الدولية المستقرة التي تنظم العلاقات بين الدول.

لهذا لا يوجد خيار أمام واشنطن والعواصم الغربية سوى ردع البلطجي الروسي وعدم مكافأته على عدوانه، وهو ما يعني مواصلة تقديم الدعم المادي والعسكري لأوكرانيا حتى النهاية من أجل مساعدتها على تحرير أراضيها من الجيش الروسي.

هل يتسبب ذلك في إطالة أمد الحرب والأزمة نفسها؟ ربما، لكن الإطالة رغم مصاعبها وآلامها على الأوكرانيين وكذلك على المواطنين الروس، هي الخيار المتاح الذي فرضه الرئيس الروسي على الجميع.

الواقع أن خيارات بوتين نفسه تضيق مع الوقت، ويظهر لجوؤه إلى ضرب البنية التحتية لأوكرانيا بالصواريخ بما في ذلك منشآت الطاقة والمناطق الآهلة بالسكان حالة اليأس والضعف التي يعيشها. فهذا السلوك يأتي بعد الفشل في ساحات القتال، حيث يخسر الجيش الروسي ويفر أمام تقدم القوات الأوكرانية على معظم الجبهات.

ومنذ شهر أكتوبر تقريبا استرجعت قوات كييف آلاف الكيلومترات، وطردت القوات الروسية من مناطق شاسعة، بما في ذلك مدينة خيرسون في الجنوب.

وباستثناء الأيام الأولى من الحرب لم تتمكن موسكو من السيطرة على أراض جديدة، وفيما عدا شبه جزيرة القرم لا تتمتع القوات الروسية بسيطرة عسكرية ثابتة وقوية على الأرض، ويظهر حجم الضغط والهجمات
التي تشنها القوات الأوكرانية، أن الحالة المعنوية للجنود الروس في أضعف مستوياتها وخاصة في المناطق التي يحتدم فيها القتال.

ويأتي القصف الروسي بالصواريخ وكذلك المدفعية البعيدة المدى للمدن الأوكرانية للتعويض عن العجز عن التقدم ميدانيا، وكذلك لرفع معنويات الجنود الروس وأيضا لإرهاب المواطنين الأوكرانيين.

لكن هذه الأساليب الوحشية التي ربما نجحت في نزاعات أخرى خاضتها روسيا، تبدو قليلة التأثير أو غير حاسمة في هذه الحرب. فقد زودت الولايات المتحدة وكذلك بعض الدول الأوروبية أوكرانيا بدفاعات جوية قادرة على التصدي للصواريخ الروسية، ولذلك فإن معظم هذه الصواريخ يتم إسقاطها قبل الوصول إلى أهدافها. والبعض منها الذي يتمكن من الإفلات هو الذي يتسبب بانقطاع التيار الكهربائي عن السكان المدنيين، فضلا عن تدمير بعض المنشآت الحيوية.

بعبارة أخرى فإن الورقة الأخيرة التي يستخدمها الرئيس بوتين لإرهاب الأوكرانيين والضغط على الدول الغربية، أي سلاح مهاجمة المناطق والمنشآت المدنية، لا يبدو أنه يحقق غرضه أيضا.

ورغم أن الشتاء قد يؤدي إلى تراجع حدة القتال وربما إلى جمود الوضع العسكري نسبيا، وهو ما يسمح لموسكو بشراء بعض الوقت، إلا أن الميدان عموما لا يجلب أية أخبار جيدة لموسكو.

وعاجلا أو آجلا سوف يدرك الرئيس الروسي أنه لا يوجد طريق أمامه للخروج من مستنقع الحرب مع احتفاظه بالأراضي الأوكرانية.

وحال بوتين هنا مع أوكرانيا يشبه حال الثعلب مع البستان في القصة العربية المشهورة، التي درسناها ونحن أطفال. ومضمون القصة أن ثعلبا جائعا أراد أن يدخل إلى بستان ليأكل من ثماره، ولكن بسبب وجود سور عال لم يتمكن من القفز فأخذ يدور حوله حتى وجد فتحة صغيرة دخل منها بصعوبة إلى البستان، وبعد أن شبع الثعلب من الثمار حاول الخروج من نفس الفتحة فلم يتمكن بسبب امتلاء بطنه من الطعام، فاضطر إلى تجويع نفسه حتى استطاع المغادرة بشق الأنفس. وكان حاله في ذلك يقول: دخلت جائعا وخرجت جائعا.

وهذا ما يبدو أن السياسة الأميركية والغربية عموما تسعى إلى تحقيقه مع الغزو الروسي لأوكرانيا وهو حرمان موسكو من المكاسب العسكرية، وإجبارها على الانسحاب، وضمان أن أية مفاوضات مستقبلية لا بد أن تسمح للسلطات الأوكرانية باستعادة السيادة على المناطق التي احتلتها روسيا في هذه الحرب.

هل تتمكن الدول الغربية من تحقيق ذلك؟

موضوعيا لا يوجد ما يمنع من تحقيقه وإن كان من الصعب التكهن بالمدى الزمني الذي سوف يستغرقه. بيد أن الأمر الواضح هو أن هذه الدول لا تملك الكثير من الخيارات التي تجعلها تقبل بما دون ذلك.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.