صورة تعبيرية من شوارع الأردن
صورة تعبيرية من شوارع الأردن

في كتاب "المستدرك" وهو الجزء الثاني من يوميات دونها ووثقها السياسي الأردني الراحل عدنان أبوعودة، هناك الكثير مما يمكن ان يستوقف القارئ لتلك التوثيقات المهمة لمحاضر ولقاءات واجتماعات "مغلقة" في أغلبها، لكن من بين ما استوقفني – وهو كثير- تلك الفقرة التي وردت في محادثات أردنية مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية مطلع الثمانينات، الفقرة  المذكورة أتت في سياق تلخيص قدمه رئيس الوزراء الأردني الأسبق مضر بدران عن اجتماعه مع "هاني الحسن" السياسي في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي آخرها حسب توثيق الراحل أبوعودة كانت النقطة الثالثة في تلخيص الرئيس بدران للقائه مع الحسن حيث ان هاني الحسن قال "بأن الأردن ينفق المال على جماعته في الضفة الغربية، وكذلك المنظمة تصرف على جماعتها، وعليه فإن المنظمة تطمع في مشاركة الأردن في العمل في الأرض المحتلة والتنسيق معه"، ورد الرئيس مضر بدران "بأن الأردن ليس له جماعة بل هناك ناس يؤمنون بأن لا طريق لهم للخلاص إلا من خلال الملك حسين".

ثم ينهي مضر بدران ملخص اجتماعه بالقول إن هاني الحسن لعن فكرة "الممثل الشرعي الوحيد" للمنظمة وقال إن "الوحيد" أهلكتنا.

اليوم، وفي عام 2022، ومن كل ما قرأت وسمعت وشاهدت في مجمل تاريخ القضية الفلسطينية أجزم وبأثر رجعي متواصل بلا انقطاع، بأن تلك الفكرة الشيطانية أهلكت الضفة الغربية منذ تم إقرارها انتزاعا في السبعينات من القرن الماضي، كما وأتعبت الضفة الشرقية أيضا.

كنت في مقالات سابقة من تيار مقاربات وحدة الضفتين "الشرقية والغربية" من جديد، وتحت هذا العنوان يمكن وضع أكثر من سيناريو "واقعي" يمكن طرحه على الطاولة من جديد بديلا عن حل "الدولتين" الذي أثبت فشله الذريع بامتياز والفضل يعود للسلطة الوطنية الفلسطينية "الوريث الشرعي والوحيد" لمنظمة التحرير الفلسطينية التي هي بدروها أصرت أن تكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

مؤخرا، هنالك تحرك "ما" في عمق المشهد الفلسطيني، مصادر تتحدث عن تيار "فلسطيني" جديد ينمو بهدوء وعقلانية مختلف عن سلطة رام الله منتهية الصلاحية بكل رموزها التي تتأهب لوراثة محمود عباس، وهو تيار "تصالحي" استطاع ان يجذب إليه بالسياسة حماس والجهاد الإسلامي في غزة وقوى منشقة عن سلطة عباس نفسه.

التيار الجديد والذي يعمل بدبلوماسية محترفة وفن عمل أكثر احترافا في حدود الممكن جدا، يبحث عن حواضنه الإقليمية والدولية بدون ضجيج ولا احتفالات كرنفالية تتوهم مصالحات استعراضية، ويرسل برقياته التي تتحدث عن ولادته إلى الأردن ومصر بالدرجة الأولى وباقي دول الإقليم وبحذر يرسل إشارات إلى إسرائيل تتجاوز حكومة نتنياهو واليمين المتطرف كله، ويتجنب حسابات "الأمس" في معسكرات التخندق الإقليمي ويسعى للبحث عن نقطة ارتكاز على مسافة واحدة من كل دول الإقليم وعينه على الأردن تحديدا من منطلقات منطق الضرورة الجيوسياسية والتاريخية . 

في الأثناء، ترسل سلطة رام الله مبعوثيها إلى العاصمة الأردنية بحثا عن معلومات – مهما كانت- ولقاءات "مغلقة" تعكس توتر سلطة أبومازن ومشاريع ورثته المحتملين.

مسؤول أردني رفيع المستوى التقيته في منزله تحدث – ضمن رؤية شخصية كما قال- عن أهمية الحضور الأردني في أي مقاربة فلسطينية مهما كان حجمها، وأشار إلى مشروعية أي سيناريو وحدوي يقوم على أساس حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم أولا، وربما صياغة مشروع "كومنولثي" يضع مؤسسة العرش الهاشمي مظلة لشعبين ودولتين بكامل استقلالهما على مساحة الضفتين!

الحذر الأردني "المشروع " في عمقه الأمني من أي تماس يفضي إلى خلخلة العلاقة مع غرب النهر، قد يتقاطع مع رغبة سياسية كامنة في عمق الدولة بتعظيم الدور الأردني بما يكفي لإعادة التأهيل كلاعب أساسي في الإقليم، وهو دور يشعر الأردن بفقدانه أمام تحولات إقليمية جذرية تعيد ترتيب جغرافيا الشرق الأوسط من جديد على أسس تفاهمات وشراكات "اقتصادية" تجعل الأردن الحلقة الأضعف بحكم عجزه الاقتصادي المزمن، لكن المخرج في جغرافيا سياسية يمكن تفعيلها بحلول "سياسية" مبتكرة.

دور أردني، قد يحمل حضورا يتجاوز مبادرات جديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية وأحوال غرب النهر، إلى تمدد في الدور الإقليمي قد يصل إلى "حوار" مع إيران ترعاه العاصمة الأردنية وبترتيب إقليمي واسع.

معطيات كثيرة قد تجد تفسيراتها وتوضيحاتها في مطلع العام الجديد، تخرج الأردن – ربما- من مأزقه الحرج بين رغبة كامنة وقدرة واهنة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.