"وحده الاعلام من سيهتم بهذا العنكبوت القاتل" (تعبيرية)
"وحده الاعلام من سيهتم بهذا العنكبوت القاتل" (تعبيرية)

لم يطل الوقت بالسينمائيين الإيرانيين لاكتشاف جوهر نظام حكمهم الجديد الذي جاءت به ثورة الخميني عام 1979، فغادر على الفور عدد منهم دون عودة، واتخذوا موقف المعارضة عبر أفلامهم الممولة غربيا، والتي حققت خلال نحو أربعة عقود أرفع الجوائز الدولية ومنحت السينما الإيرانية سمعة عالمية وثقة مسبقة بمحتواها المتميز. 

ومنهم من قرر التحدي بالبقاء، واتخاذ حلول مبتكرة في المواربة من الرقابة لتصوير الفيلم في الداخل، واللجوء لاحقاً إلى حلول أكثر ابتكاراً في كيفية "تسفير" فيلمه خارج البلاد للمشاركة في مهرجانات كبرى، وهو يدرك أن السجن قد يكون أول الاحتمالات التي تنتظره، أو منعه من المغادرة وتعرضه لعدد من التبعات القانونية القاسية.  

لكن، وأيا يكن المكان الذي ينفذ فيه الفيلم، اتسمت السينما الإيرانية بشكل عام بالأسلوبية الرمزية التي يسهل تفكيكها وتفسير معانيها وإحالتها بوصفها إشارات ورسائل ناقدة غير مباشرة، أو مباشرة ولاذعة أحياناً، للخطوط السياسية العامة للنظام الإيراني، وخاصة في قمعه لحرية التعبير، والتشدد بشكل خاص حيال حرية التعبير الفكري والابداعي. 

وهو ما أكدته الأخبار الأخيرة التي تحدثت عن اعتقالات طالت عددا من السينمائيين والممثلين بسبب دعمهم للاحتجاجات العارمة التي انطلقت قبل نحو ثلاثة أشهر في عدد من المدن الايرانية بعد وفاة الشابة الكردية الايرانية مهسا أميني، واعتقال الفنانة الإيرانية البارزة، ميترا حجار.

وأتى ذلك قبل أن تعلن الحكومة الإيرانية، في الخامس من ديسمبر الجاري، عن حل "شرطة الأخلاق"  المتهمة بمقتل أميني، وقرار البرلمان الايراني والسلطة القضائية إجراء مراجعة لقانون الحجاب الإلزامي منذ عام 1983. 

فيلم (عنكبوت مقدس- Holy Spider) لمخرجه الإيراني الدنماركي، علي عباسي، الذي صدر في شهر سبتمبر الماضي، رشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان الأخير، ونالت عنه الممثلة زهراء أمير ابراهيمي جائزة أفضل ممثلة، كما رشح أيضا عن الدنمارك لفئة الفيلم الأجنبي في الأوسكار القادم 2023.

يعرّف الإنتاج السينمائي هذا نفسه بأنه ضمن فئة "الجريمة والإثارة"، لكنه في الواقع فيلم إيراني مغاير نسبياً، مشبع بانتقاده المباشر للمظلة السياسية التي يحتمي في ظلها الاستبدادين، الديني والاجتماعي، عبر تحاشيه للرمزية النمطية الفاقعة ومواجهة الحقائق الصادمة بصدمات مضادة وحادة.  

يحصر المخرج أحداث فيلمه بين عامي 2000 و2001، مستوحياً قصة مثيرة حقيقية حدثت آنذاك عن سفاح يدعى سعيد حناي، وهو عامل بناء قوي البنية، وجندي سابق خدم بتفان لسنوات في الحرب الإيرانية- العراقية في الثمانينيات، قام بالتقاط 16 امرأة من بائعات الهوى من شوارع مدينة "مشهد" التي تعتبر أبرز المدن الإيرانية المقدسة، ثم قتلهن عبر "خنقهن بحجابهن". 

القاتل السفاح، سعيد، الذي يعتبر نفسه متطوعاً دينياً لخدمة الإمام الرضا، وتدفعه هذه الطاعة الدينية إلى تنظيف الشوارع المحيطة بضريح الإمام من أجله، سيظل طليقاً يمارس القتل بحرية، دون تحرك ملموس أو جاد من الشرطة والسلطات المعنية في محاولة البحث عنه، أو إجراء تحاليل لآثار الحمض النووي أو إي إجراء جنائي يذكر، مع الإيحاء بحالة تواطئ عام مع جرائمه وصمت مريب.     

وحده الإعلام من سيهتم بهذا "العنكبوت القاتل"، بما أثاره من ذعر اجتماعي تسبب بعدم خروج النساء من بيوتهن لاعتقادهن أنه سيقتلهن، فيما هو كان يؤكد خلال اتصاله الهاتفي المستمر بأحد الصحفيين للتبليغ عن مكان ضحيته الجديدة بأنه يستهدف فقط "نساء الرذيلة اللواتي يستحقن قتلهن وتنظيف الشوارع منهن".

والإعلام هو من سيوقع به في النهاية ويقوده للعدالة عبر تصدي إحدى الصحفيات الجريئات لمتابعة القضية وملاحقتها الاستقصائية له ولضحاياه المسحوقات اللواتي كن يبعن أجسادهن لإعالة أسرهن الفقيرة، قبل المغامرة بتعريض نفسها لمحاولة قتل فاشلة على يديه واعتقاله على إثرها.  

يفتتح علي عباسي فيلمه بلقطة عامة لمدينة مشهد، تظهر فيها بأنوارها وتقاطعاتها وخطوط هندستها أشبه بشبكة عنكبوت حقيقية، وهو ماسيترجم رمزيته لاحقاً السيناريو السينمائي المحكم وبعد القبض على السفاح، الذي سيتحول إلى بطل تتشابك خيوطه العنكبوتية مع خلايا النسيج الاجتماعي والديني، لتصبح قضيته قضية رأي عام يطالب الشارع ببراءته، وتعامل أسرة القاتل بوصفها أسرة بطل عظيم يستحق التقدير وليس الإدانة، ويتحول ملفه إلى "بازار" سياسي يتعلق بالانتخابات. 

عقدان من الزمن يفصلان بين أحداث الفيلم والاحتجاجات التي اندلعت بعد مقتل "مهسا أميني". لكنهما عملياً غير منفصلين في الجوهر، وما ارتكبه هذا القاتل المتسلسل بتنصيب نفسه "شرطي أخلاق" لم يكن شاذاً عن المنظومة العامة التي تزدري المرأة.

و"الشعلة" التي سيحمل لواؤها في الفيلم، الابن المراهق بعد إعدام أبيه، وقناعته أنه ابن بطل كبير أدى واجبا أخلاقيا ودينيا تطهيريا عظيما، هي "الشعلة" ذاتها التي تسلسلت حتى يومنا ووصلت إلى أيدي أفراد" شرطة الأخلاق" المنحلة مؤخراً في إيران، أو سواها من المجتمعات التي تبيح وتحرم وتحلل وتجرم كل ما يتعلق بشؤون النساء وقتلهن لمجرد "الشبهة" و"قضايا جرائم الشرف" التي ترتكب بمباركة أعراف وتقاليد مجتمعاتها، ويتطوع لخدمتها آلاف العناكب المقدسة. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.