رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة
رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة

لا علاقة لي بكرة القدم؛ لا من قريب ولا من بعيد. لم أتابع في حياتي مباراة واحدة؛ لا مهمة ولا غير مهمة؛ لا محلية ولا عالمية؛ وذلك أنها بكل صخبها الذي يُصِمّ الآذانَ؛ لم تَسْتثر اهتمامي ـ ولو بأدنى درجة من درجات الاستثارة ـ في يوم من الأيام.

قد يمرّ بي ـ عَرَضاً ـ مشهدٌ لِسِبَاق السيارات؛ فأتابعه لدقيقتين أو ثلاث، وقد يمرّ بي أحيانا مشهدٌ لِرياضة القفز، أو التزحلق على الجليد، أو حمل الأثقال؛ فأتابعه لخمس دقائق أو حتى عشر دقائق. ولكن، وفي كل مراحل عمري، لم يستسغ مزاجي متابعة كرة القدم، ولا منح أحداثها وأخبارها شيئا من نوافل الاهتمام.

هذا يعني ـ من جُملة ما يَعني ـ أن جهلي بكرة القدم، بقوانينها وبتنظيماتها وبأنديتها وبلاعبيها وبتاريخها، يكاد يكون جهلا تاما، بل هو الجهل التام. ورغم انعدام الاهتمام، ورغم ما أورثه هذا من جهل تام بها، إلا أن ثمة ما يُثيرني ـ أشدَّ الإثارة ـ في "ما وراء المشهد الكروي"، وتحديدا: في الاهتمام الجماهيري العميق والواسع بها لدى الأغلبية الساحقة من الناس، على اختلاف اهتماماتهم ومواقعهم وثقافاتهم، إلى درجة يتحوّل فيها هذا الاهتمام ـ عند كثيرين ـ إلى ما يشبه حالة عشق وهيام يُلْهِيهم عن فرائض المَهام.

طبعا، لا مفارقة هنا بين كون هذه الرياضة لا تستثيرني إطلاقا، وبين كون المشهد التفاعلي الجماهيري معها يستثيرني جدا. بل أعتقد أن عدم اهتمامي بها إطلاقا، هو بذاته ما يجعلني أندهش جدا من هذا الاهتمام الجماهيري المبالغ فيه حسب تقديري الخاص. فأنا هنا أرى "اللاَّطبيعي" فيما يراه غيري "طبيعيا"، أرى "غير مفهوم" فيما يراه غيري "مفهوما"، وربما لو كنت متابعا لهذه الرياضة، ومتفاعلا معها؛ لكان المشهد ـ في نظري ـ طبيعيا جدا، بحيث لا يُثير أي تساؤل، ولا يستحق التعليق عليه بحال.

عموما، ليس موضوع هذا المقال مقاربة ظاهرة الاهتمام الجماهيري اللاّطبيعي بكرة القدم (فهذا موضوع كتبت عنه عِدَّة حوارات في تويتر)، وإنما موضوعي هنا هو مشهد "الاتحاد الوجداني" بين كل الشعوب العربية؛ كما تجلى في الفرح بفوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال. وإذا كنتُ كالعادة، لم أشَاهِد المباراة، فإنني قد شاهدتُ ـ مُنْدَهشا ومُتَحيّرا ـ رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة، وكأن كلَّ فَردٍ/ كلَّ فَرِحٍ من هؤلاء قد حقّق بنفسه ولنفسه أعظمَ إنجاز، وبلغ أقصى الأماني والأحلام.

ماذا يعني أن كل "عربي" في عالم العرب الواسع الممتد من المحيط غربا إلى الخليج شرقا، يشعرـ وبفرح غامر يصل حدّ البكاء أحيانا ـ أنه قد انتصر انتصارا حقيقيا في منافسة حاسمة؛ لمجرد أن منتخب المغرب فاز في مباراة رياضية عابرة؟ ما هو حَدّ الانتماء الذي شكّل بطانة هذا الشعور الطاغي؟ هل يستشعر الإنسان العربيُّ مستوى عاليا من الاتحاد الذي يربطه بشركاء اللغة، والتاريخ، والإرث الحضاري، وشركاء الدين في أغلب الأحوال؟ وإذا كان هذا الشعور يسكن الأعماق، وينفجر كالبركان في اللحظات الحاسمة؛ فلماذا يحضر في الرياضة ويضمر كثيرا في السياسية؟

في مقال الأسبوع الماضي، تحدّثتُ عن ثلاثة محاور وَهْميّة/ مُزَيَّفة، تُشَكِّل مرتكزات رؤية الإسلام السياسي، وكان منها محور: الوحدة الأممية، وهي الوحدة التي يزعم هذا النوع من الإسلام المؤدلج تَحقَّقها في الماضي، ويتطلع لتحقيقها في المستقبل. بينما هي/ الوحدة الأممية لم تتحقّق في يوم من الأيام. فالتاريخ يحكي أن العرب/ المسلمين منذ نشأتهم الأولى، ثم ظهورهم على مسرح التاريخ بالإسلام، لم يتحدوا إلا نادرا، وفي سنوات معدودة، استثنائية ظرفية عابرة، بينما بقية أيامهم على العكس منها، إذ كانوا فصائل مُتقاتلة، ودويلات مُتناحرة، وحتى إمبراطورياتهم المُتعاقبة التي يُفَاخِرون بها كثيرا، لم تكن إلا فضاءَ حروب أهلية، حروب متناسلة متواصلة؛ لا تهدأ إلا ريثما تنبعث من جديد.

إن هذا هو تاريخ العرب السياسي الذي كان مُقَسّما وصراعيا على الدوام. ولكن، مقابل هذا التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ يَستقرّ في أعماق هذا التاريخ الصراعي التناحري تاريخٌ آخر، تاريخ ثقافي وَحْدودي، تاريخ كان ينمو باستمرار، ويتوحّد باستمرار، ويتوجّه ـ بمجموعه ـ إلى مستهدفات ثقافية، ودينية، وربما سياسية حالمة/ طوباوية، واحدة في أغلب الأحيان.

عندما كان سيف الدولة الحمداني في "حَلَب" مُنافسا/ مُخَاصِما لكافور الأخشيدي في "مصر"، كان المتنبي ينتقل من بلاط الأول إلى بلاط الثاني، وتصدح قصائده هنا وهناك، وتفهم الجماهير عنه هنا وهناك بلا فرق، وتترد في بغداد وما وراءها شرقا أصاء شوارده التي ينام عنها ملء جفونه؛ حتى تصل حركة التشرد التمردي به إلى عضد الدولة في شيراز/ جنوب إيران، فينشد قصائده التي سيردّدها بلاطُ المعز لدين الله الفاطمي في تونس (قبل انتقاله لمصر)، وسيتمنّى المُعِزّ لشاعره الخاص/ ابن هانئ الأندلسي أن يضارع المتنبي؛ لولا أن اخترمته المنون. وأيضا، عندما كتب الإمام مالك "الموطأ" في المدينة الحجازية المقدسة، كان رواجه الأعظم في الأندلس والمغرب، لا في جزيرة العرب وما جاورها. وعندما كتب سيبويه، الفارسي الأصل، العراقي الموطن، أعظمَ كتابٍ في النحو العربي، أي في لغة عرب الصحراء، كان هذا الكتاب محلَّ عناية نُحاة المغرب والأندلس شرحا وتعليقا وتدريسا. وينتقل اللغوي والأديب الكبير/ أبو علي القالي من العراق إلى الأندلس؛ فيخاطب تلاميذه/ جمهوره الجديد، وكأنه لا يزال يخاطب جماهيره في بغداد. ويُنْشد ابنُ زيدون نونيته الباكية في الأندلس، فتدمع لها العيون في بغداد ومكة ودمشق والقاهرة، بل لا تزال إلى اليوم من أغاني تلاميذ المدارس في المشرق العربي كله...إلخ.

هكذا تترحّل الكَلمات؛ وكأن الجميع في دولة واحدة، متصلة في التاريخ والجغرافيا والسياسية، بينما هم في دول متصارعة على امتداد التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، دول مُتحوّلة مُتقلّبة؛ بحيث لم يكن بعضها ينشأ إلا على أنقاض بعضها الآخر، في حالة افتراس دارويني دائم يُعِيد تدوير ملاحم العرب الأولى: البسوس وداحس والغبراء.

هنا يحق لنا أن نسأل ونتساءل: ما الثابت وما المُتحوّل عربيا؟ ما الذي يؤكد "وحدة العرب"، وما الذي ينفيها في الوقت نفسه؟ المعتصم، والمتوكل، والمأمون، وعبيدالله بن طاهر، وعضد الدولة، ونظام الملك، وكافور الأخشيدي، والمُعزّ، والحاكم بأمر الله، وعبد الرحمن الناصر، وابن تاشفين...إلخ، كانوا مظاهر عابرة على السطح/ المتحوّل؛ في مقابل الثابت: "إحياء" الغزالي، و"تهذيب" ابن عبد البر، و"موطأ" مالك، و"رسالة" الشافعي، و"مِلَل" البغدادي، و"تاريخ" الطبري، و"حيوان" الجاحظ، و"كامل" المبرد، و"عمدة" ابن رشيق، و"مَثَل" ابن الأثير، و"ألفية ابن مالك"، و"مغني" ابن هشام، و"مُزْهر" السيوطي، و"زُهر" الحصري، ودواوين الأعشى، والنابغة، وزهير، ولبيد، والفرزدق، وجرير، والأخطل، وبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والمعري، وابن زيدون، وابن دراج، وابن هانئ، ولسان الدين بن الخطيب، وابن شهيد؟     

وفي الأخير، هل هذا "التوحّد العربي" الذي ظهر جليا في مشهد الفرح الجماهيري العربي بفوز منتخب المغرب يُعَبِّر عن حقيقة "الثابت الثقافي" الممتد أفقيا/ جغرافيا وعموديا/ تاريخيا، والذي يَجِد مُسْتَقرَّه في ثابتِ اللغة الواحدة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الفرز الثنائي بين السياسي والثقافي، في التاريخ كما في الراهن؟

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.