صورة من زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية
صورة من زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية

أبرزت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني شي جينغ بينغ إلى السعودية إلى السطح إشكالية العلاقات القديمة التي تربط الولايات المتحدة مع بعض الدول المحورية في المنطقة مثل السعودية وتركيا ومصر وإسرائيل والتي طرأت عليها تطورات وتوترات في السنوات الماضية لأسباب عديدة من بينها الدور الاقتصادي والاستراتيجي المتنامي لدول مثل الصين وروسيا في المنطقة، ولجنوح هذه الدول لاعتماد سياسات أوتوقراطية أو متشددة داخليا وإقليميا، ما عرضها لانتقادات متزايدة من الولايات المتحدة.

قبل الثورة الإسلامية الإيرانية كانت سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مبنية على علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع 4 دول هي: إسرائيل، وتركيا وإيران والسعودية. خروج إيران من هذا المحور في 1979 تم التعويض عنه بدخول مصر إليه بعد خروجها من الفلك الروسي (السوفياتي آنذاك). هذه العلاقات ساعدت واشنطن في سياساتها في أفغانستان بعد الاحتلال السوفياتي، وفي التصدي لإيران في ثمانينات القرن الماضي، ولاحتلال العراق للكويت في 1991، وفي مكافحة الإرهاب في تجلياته العديدة (من القاعدة الى داعش) وفي عملية السلام بين الدول العربية واسرائيل والفلسطينيين.

خلال حقبة الحرب الباردة، كانت واشنطن تتفادى إلى حد كبير انتقاد انتهاكات أصدقائها – بمن فيهم دولة حليفة رسميا مثل تركيا أو دولة تربطها علاقات وثيقة جدا بها مثل إسرائيل- لحقوق الإنسان، أو لأي سياسات عدائية تجاه جيرانها.

علاقات الولايات المتحدة مع دول غير ديمقراطية، وربما الأصح وصفها بالمعادية للديمقراطية مثل السعودية ومصر، وحتى مع دولة مثل تركيا كانت تنشط فيها بين وقت وآخر مؤسسات ديمقراطية، لم تكن علاقات بين حلفاء، كما هي علاقات واشنطن مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي أو مع دول أخرى مثل اليابان وأستراليا حيث تربط بين هذه الدول قيم ومبادئ ومؤسسات وتقاليد ديمقراطية تعطي هذه العلاقات ديمومة وشفافية. علاقات واشنطن مع هذه الدول كانت مبنية على مصالح اقتصادية مشتركة أو للتصدي لخصوم أو أعداء يهددون أمن هذه الدول. الحكومات الأميركية المتعاقبة كانت تبرر علاقاتها القوية ودعمها التقليدي لإسرائيل بالحديث عن القيم الديمقراطية التي تربط البلدين، وهذا صحيح، ولكن جزئيا.

منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت دول مثل الصين وروسيا، وإلى حد أقل الهند بلعب أدوار اقتصادية واستراتيجية في المنطقة بعضها كان حكرا في السابق على الدول الغربية وتحديدا الولايات المتحدة. وأصبحت الصين والهند أسواق هامة لنفط الخليج، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، وبدأت هذه الدول بجذب الاستثمارات الخليجية اليها، كما بدأت بالقيام بمشاريع اقتصادية هامة وخاصة في أسواق الخليج.

وخلال هذه الفترة جنحت هذه الدول الأربعة: السعودية وتركيا وإسرائيل ومصر إلى اعتماد سياسات داخلية متشددة أكثر ضد معارضيها من ناشطين سياسيين وصحفيين ومفكرين وتشجيع بروز حركات سياسية ودينية أو قومية شوفينية، صاحبها ممارسات عدائية ضد جيرانها.

 وخلال الحكومات التي ترأسها بنيامين نتانياهو في إسرائيل ازدادت الأحزاب الدينية تطرفا وكرّست إسرائيل هويتها اليهودية على حساب الفلسطينيين العرب من مواطنيها، وكثفت من استيلائها على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة لتوسيع عمليات الاستيطان.

وتميزت حقبة الرئيس رجب طيب إردوغان في تركيا بوضع تلك البلاد التي كانت علمانية منذ تأسيس الجمهورية التركية على طريق الإسلام السياسي، وما صاحب ذلك من قمع متزايد للمعارضة في الداخل وخاصة في مرحلة ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، حيث تزامنت هذه التطورات الداخلية مع ازدياد عدائية تركيا للأكراد في سوريا والعراق. حصول تركيا على أسلحة روسية في انتهاك واضح لالتزاماتها كدولة عضو في حلف الناتو، أثار الأسئلة حول جدوى بقائها في هذا الحلف. 

الأوتوقراطية التي ميزت نظام حسني مبارك (والحكم الوجيز للإخوان المسلمين) في مصر تحولت إلى قمع دموي وترهيب سياسي غير معهود منذ 1919 في آخر تجليات الحكم العسكري مع حقبة عبد الفتاح السيسي. 

في السعودية، أصبحت السلطة السياسية أكثر بطشا بعد أن أصبح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة كما رأينا من قمع النشطاء السياسيين من رجال ونساء، (بما في ذلك تعذيب النساء والاكاديميات في السجون وهو أمر غير مسبوق) واضطهاد الصحافيين (بما في ذلك اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في تركيا) وترهيب أفراد من العائلة المالكة ورجال الأعمال الأثرياء والاستيلاء على ثرواتهم. ومع أن جميع ملوك السعودية تدخلوا في الشأن الداخلي في اليمن، إلا أن الحرب التي شنها محمد بن سلمان ضد اليمن أدت إلى دمار مادي ومأساة إنسانية لم يرتكب مثلها أي عاهل سعودي في الماضي.

هذا الجنوح باتجاه التشدد السياسي والديني والشوفينية والترهيب في هذه الدول عرّضها جميعها وإن بدرجات متفاوتة إلى انتقادات متزايدة ليس فقط من الحكومة أو الكونغرس الأميركيين، بل أيضا من المجتمع المدني الأميركي: من الأوساط الإعلامية والأكاديمية والفنية. وليس من المبالغة القول إنه لم يعد لمصر والسعودية وتركيا أصدقاء حقيقيون في واشنطن، وهذا ما يبدو واضحا خلال مراقبة أي جلسة استماع في الكونغرس حول هذه الدول أو منطقة الشرق الأوسط. وحتى إسرائيل بسياساتها الدينية والعنصرية لم تفلت من الانتقاد، من قبل سياسيين ومثقفين وأعضاء في الكونغرس. هذه الانتقادات وصلت إلى ذروتها في السنوات الماضية في أوساط اليهود الشباب.

خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب حظيت هذه الدول بمناعة وفرها رئيس أميركي معجب بالقادة "الأقوياء" والمتسلطين أن كان اسمهم فلاديمير بوتين، أو إردوغان أو السيسي أو نتانياهو. 

ترامب بارك سياسات إسرائيل التوسعية، لا بل ساهم فيها حين "اعترف" بضمها للجولان السوري المحتل وبالقدس كعاصمة لإسرائيل، ولم ينتقد انتهاكات حقوق الانسان السافرة في مصر وتركيا والسعودية، لا بل حاول التغطية على مسؤولية ولي العهد السعودي عن جريمة اغتيال خاشقجي. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يعرب قادة هذه الدول عن إعجابهم وتقديرهم لرئيس أميركي حاكمه مجلس النواب مرتين، حيث يواجه الان اتهامات قضائية قد توصله الى السجن.

هذه هي التركة السياسية الخانقة التي ورثها الرئيس جوزف بايدن حين وصل إلى البيت الأبيض. خلال حملته الانتخابية وخلال الأشهر الأولى من ولايته تحدث بايدن بصراحة عن هذا الأرث البشع. ولم يتردد في انتقاد محمد بن سلمان وعبد الفتاح السياسي وإردوغان. ورأيه ببنيامين نتانياهو قد لا يكون نابيا مثل رأي الرئيس الأسبق باراك أوباما حين كان بايدن نائبا له، وحين "استقبله" نتانياهو كنائب للرئيس خلال إحدى زياراته لإسرائيل بالإعلان عن مستوطنات جديدة، ولكنه ليس رأيا ايجابيا وقطعا ليس وديا.

انتقادات بايدن، والعديدين في الطبقة السياسية والمجتمع المدني لهذه الدول، تزامن مع ازدياد الطلب على النفط والغاز، وخاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. هذه العوامل شجعت دول مثل السعودية وتركيا وإسرائيل للوقوف عمليا وإن لم يكن رسميا مع روسيا في حربها ضد الشعب الأوكراني. السعودية تنسق سياساتها النفطية مع روسيا لمساعدتها على التغلب على المقاطعة والعقوبات الأميركية والأوروبية، تركيا تنسق مع روسيا أيضا في مجال تصدير الطاقة وتصدير القمح عبر  مضائق البحر الأسود التي تسيطر عليها أنقرة، بينما تحافظ إسرائيل على تفاهماتها مع موسكو في سوريا، وتقاوم طلب واشنطن والحلفاء في الناتو تسليح أوكرانيا.

هذه المعطيات شجعت السعودية ودول خليجية أخرى وتركيا على العمل على تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا بحجة أن علاقاتها القديمة مع واشنطن لا تتناقض بالضرورة مع تطوير علاقاتها المتشعبة مع الصين وروسيا في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثماراتية. هذه الدول تقول إن واشنطن تريد تقليص "بروفيلها" الاستراتيجي والسياسي في المنطقة وبالتالي يجب أن لا تلومها واشنطن إذا عززت علاقاتها مع الصين أو روسيا. هذه الدول تقول إنها تريد استقلالية أكثر في علاقاتها الدولية، ولكنها في الواقع تسعى لخدمة مصالحها الآنية، وهذا أمر مشروع بحد ذاته، ولكن ما تريده هذه الدول من واشنطن هو أن تتجاهل انتهاكاتها لحقوق الانسان أو سياساتها العدائية تجاه جيرانها تماما كما تتعامل معها الصين وروسيا. هذه الدول تعتقد أيضا ان لديها خيارات أخرى في مجال تسلحها وأنها قادرة على اللجوء إلى السلاح الصيني او الروسي لتعويض السلاح الأميركي.

ولكن ما لا تدركه هذه الدول أو لا تريد الاعتراف به، هو أن أسواق وأسعار النفط – التي تلائمها الان - تتعرض دوما للاهتزاز والتغير، وأن تهديدها الضمني "بالتحول " إلى الشرق للحصول على الأسلحة ليس خيارا واقعيا. لا الصين ولا روسيا قادرة على تسليح دولة مثل السعودية خلال فترة وجيزة أو دون كلفة باهظة (تحول مصر من السلاح الروسي إلى السلاح الأميركي استغرق سنوات عديدة) كما أن الصين وروسيا لا تملك أسلحة متطورة مثل الأسلحة الأميركية. (الغزو الروسي لأوكرانيا كشف أن روسيا هي دولة عسكرية من المرتبة الثالثة أو ربما الرابعة) هذه الدول في الشرق الاوسط لا تستطيع الاستغناء – على الاقل في المستقبل المنظور – عن الدولار بصفته العملة الدولية المفضلة، كما لا تستطيع الاستغناء عن التقنيات والجامعات الأميركية. هل سترسل السعودية عشرات الالاف من الطلاب إلى الجامعات الصينية؟ هل ستتصدى الصين لإيران، إذا قررت طهران التمادي في سياساتها العدائية وحض الحوثيين على قصف المنشآت النفطية السعودية؟ الجميع يدرك أن السعودية عاجزة عن هزيمة الحوثيين أو صد صواريخهم أو مسيراتهم على الرغم من الكم الهائل من الأسلحة التي اشترتها من الدول الغربية.

هذه الدول في الشرق الأوسط ليست حليفة للولايات المتحدة ولا تستحق أن تسمى حليفة، وعلى واشنطن أن تتعامل معها وفقا لمصالحها وانطلاقا من مبادئها وقيمها، (ما يعني عدم التردد في انتقاد انتهاكاتها لحقوق الانسان) وعليها أن تقيم معها علاقات تجارية واقتصادية صرفة، وان تساعدها عسكريا إذا كان ذلك يخدم مصالح أميركا. (عندما انقذت أميركا الكويت والسعودية من مخالب الشقيق صدام حسين فإنها ساعدت البلدين وخدمت مصالحها ومصالح العالم أيضا). دولة مثل السعودية يجب أن لا تحظى بمظلة الحماية الأميركية وكأنها تستحق تلقائيا هذه الحماية، أو أن مثل هذه الحماية هي طريق ذو اتجاه واحد. وإذا لم يعجب ذلك حكام السعودية، يمكنهم دائما أن يطلبوا العلم في الصين.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.