مظاهرات ضد الاتفاق الإطاري في شوارع الخرطوم
مظاهرات ضد الاتفاق الإطاري في شوارع الخرطوم

تم في الخامس من الشهر الجاري توقيع الاتفاق الإطاري بين قوى الحرية والتغيير والعسكر، ويمثل الاتفاق الخطوة الأولى التي ستليها خطوة أخرى متمثلة في الوصول للاتفاق النهائي بعد اكتمال النقاش مع كل أصحاب المصلحة للتوافق على قضايا أربع أساسيات هي: الإصلاح الأمني والعسكري، العدالة والعدالة الانتقالية، اتفاق السلام الموقع في جوبا، وتفكيك تمكين نظام ال30 من يونيو 1989.

وجاء التوقيع على الاتفاق الإطاري بعد التفاهمات التي تمت بين الطرفين على أساس الإعلان الدستوري الذي أعدته اللجنة التيسيرية لنقابة المحامين السودانيين، وهو الإعلان الذي وجد قبول كبيراً من قوى سياسية عريضة فضلاً عن قوى المجتمع المدني وغيرها من قوى الثورة والانتقال.

وقد رسخ الإعلان الدستوري لشعار الثورة السودانية الرئيسي المتمثل في تحقيق مدنية الدولة بالكامل، حيث نص على خروج الجيش من هياكل السلطة الانتقالية في مستوياتها الثلاث: السيادية والتنفيذية والتشريعية، كما منح رئيس الوزراء سلطات تنفيذية كاملة في مقابل السلطات التشريفية التي سيتمتع بها رأس الدولة (المجلس السيادي).

حدد الإعلان الدستوري اختصاصات رئيس الوزراء في تعيين كل وزراء حكومته، وتعيين وإعفاء حكام الأقاليم والولاة، وتعيين وإعفاء قادة الخدمة المدنية والشرطية وجهاز المخابرات، كما منح الإعلان رئيس الوزراء رئاسة مجلس الأمن والدفاع، فضلاً عن تبعية جهازي الشرطة والأمن لسلطته وكذلك البنك المركزي.

أما مجلس الوزراء (الحكومة) فقد منحه الإعلان سلطة الإشراف الكامل على إكمال ملف السلام وإيقاف الحرب وحل النزاعات، وكذلك مراقبة وتوجيه عمل أجهزة الدولة، وتشكيل المفوضيات القومية المستقلة، وإدارة الشؤون الخارجية والدبلوماسية وغيرها من الصلاحيات المعروفة للحكومات في الأنظمة البرلمانية.

هذه المهام والسلطات والصلاحيات الكبيرة تتطلب أن يأتي رئيس الوزراء القادم من رحم الثورة، وأن يكون ملتزماً بتحقيق شعاراتها وأهدافها ومستعداً لبذل كل الجهود من أجل تحقيقها مهما تطلب الأمر من تضحيات، فضلاً عن ضرورة امتلاكه الحس السياسي الذي يمكنه من التعامل مع الواقع الوطني المعقد في مختلف أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ليس مطلوباً أن يحمل الرجل/ المرأة درجات أكاديمية عليا (دكتور، بروفيسور، إلخ)، بل يجب أن يكون على درجة من الكفاءة بما تعنيه من امتلاك خبرة مهنية كافية في مجال تخصصه تعينه على أداء مهامه، فضلاً عن القدرة على حل المشكلات واتخاذ القرار، وامتلاك الشخصية القيادية القوية التي تستطيع مجابهة التحديات الكبيرة التي يواجهها الوطن، مع التمتع بالمرونة التي تبعده عن التصلب والبيروقراطية والجمود.

وليس مطلوباً كذلك أن يكون الرجل/ المرأة من أصحاب السيرة الذاتية الممتازة في العمل بالمنظمات الدولية أو التدريس بالجامعة أو الحضور الباهر في الحقل الأكاديمي، بل المهم أن يكون مدركاً لمقتضيات التحول المدني الديمقراطي، وصاحب رؤية كلية ملتزمة بأهداف الثورة بصرامة، وعدا ذلك من الأمور المتخصصة فيمكنه الاستعانة فيها بالمستشارين في المجالات المعنية.

لا بد من أن يتمتع رئيس الوزراء القادم بقدر عال من الديناميكية، وكذلك المهارات التي تجعله قادراً على التواصل مع الآخرين (كافة قطاعات الشعب السوداني)، وهذه سمة مهمة للغاية حتى يستطيع كسب قلوب الجماهير التي ترغب في أن يكون رئيسها قريبا منها وذو معرفة ودراية مباشرة بمشاكلها ومطالبها.

مهمة رئيس الوزراء في المرحلة الحالية ليست مهمة عمل مكتبي بيروقراطي تبدأ في الثامنة صباحاً وتنتهي بانتهاء الدوام عند الثالثة عصراً، بل هي مجهود يبذل على مدار الساعة، وهو الأمر الذي يتطلب اختيار شخص يتمتع بقدرة كبيرة على الحركة وطاقة جسدية تمكنه من العمل المتواصل لساعات طويلة خلال اليوم.

رئيس الوزراء القادم لن يهبط من السماء، ولن تأتي به قدراته الشخصية فحسب، بل سيتم اختياره بواسطة قوى الثورة المُعرَّفة في الإعلان السياسي الذي أعدته قوى الحرية والتغيير، وبالتالي فإنه من البديهي أن يكون ملتزماً تماماً بالعمل مع تلك القوى لإنجاز مهام الانتقال التي تليه ولا يلجأ لخلق مراكز ودوائر بديلة تتحكم في وضع السياسات وصنع القرار.

لا شك في أن  رئيس الوزراء القادم سيواجه العديد من الملفات الصعبة والمشاكل الجسيمة، وإذ يتطلب ذلك منه وعياً كبيراً بحتمية ترتيب الأولويات لأنه لن يستطيع حل جميع المعضلات في نفس الوقت، فإن المشكلة الاقتصادية وانعكاساتها القاسية جداً وغير المسبوقة على الأوضاع المعيشية للناس تمثل الأولوية القصوى التي يجب أن يعمل رئيس الوزراء على مجابهتها وفقاً لخطة مدروسة.

قد عانت مختلف طبقات المجتمع من تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتمثل ذلك في الانخفاض الكبير للدخول الفردية مقابل الغلاء وارتفاع أسعار السلع، مما أدى لبروز ظاهرة الركود التضخمي، حيث تتكدس السلع والبضائع دون وجود قوة شرائية، وهو الأمر الذي أدى لمعاناة ملحوظة حتى في أوساط الطبقات العليا التي باتت تستهلك من مدخراتها بعد أن توقفت أعمالها الإنتاجية والتجارية والخدمية نتيجة استفحال تلك الظاهرة.

إن استقرار ونجاح الفترة الانتقالية يرتبط ارتباطا وثيقاً بإيجاد الحلول للملف الاقتصادي وانعكاس ذلك على المواطن الذي يجب أن يشعر بالتحسن التدريجي في أوضاعه المعيشية، وهذه هي المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق رئيس الوزراء وطاقم وزارته.

وأخيرا فإنه لا يجب أن تؤثر الحملات الإعلامية المصنوعة، خصوصاً عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والتي تقف وراءها جهات داخلية وخارجية عديدة ومتضاربة الأهداف والمصالح، في اختيار رئيس الوزراء القادم، فهذه الفرصة لإنجاح الانتقال قد جاءت بالكثير من التضحيات والدماء العزيزة، مما يضاعف من مسؤولية قوى الثورة في هذا الخصوص، فهي تعلم جيداً الثمن الذي يمكن أن تدفعه البلاد في حال الاختيار الخاطئ.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.