صورة لصفحة من مذكرات داروين تظهر "شجرة الحياة".
صورة لصفحة من مذكرات داروين تظهر "شجرة الحياة".

ربما لم تتسبب نظرية أخرى غير نظرية التطور في هذا القدر من الخلاف الفكري بين الناس والمفكرين. فمن ناحية يؤمن الكثير من الناس بالنظرية التقليدية المذكورة في الأديان السماوية وهي خلق آدم كأول رجل وخلق حواء كأول أنثى وجاء الجنس البشري كله منهما. ومن ناحية أخرى يؤمن المقتنعون بنظرية التطور بمبدأ "النشوء والارتقاء" و"البقاء للأصلح" و"تطور الأنواع".

وتسوق نظرية التطور والتي وضعها العالم الجليل دارون العديد من الحجج العلمية والجينية لدعم هذه المباديء.

والغريب في الأمر أن دارون لم يكن ملحدا كما يتصور الكثيرون، وكان كما ذكر في مقدمة كتابه المعروف عن نظريته، وهو كتاب "أصل الأنواع"، مؤمنا بوجود خالق للحياة، ولكنه كان يحلل بصورة علمية مرحلة ما بعد خلق الحياة، والتي كان يراها  (أي خلق وبداية الحياة) هو شخصيا- سر عميق. فكان تركيز دارون على التطور في الكائنات والأنواع  في مرحلة ما بعد خلق الحياة وليس بدء الحياة نفسها.

وأثارت نظرية التطور لدارون الكثير من النقد والهجوم من أتباع الفكر السلفي. ووصل الأمر بكثير الأمر لإتهام من يؤمن بنظرية التطور بأنه كافر. وكانوا دائماً يسوقون (بالشدة على الواو) بأن نظرية التطور تقول بأن الإنسان كان قرداً ثم تطور وتحول إلى بشر في حين أن النظرية لا تقول ذلك بل تقول إن الإنسان والقرد كان لهم أصل مشترك فقط. والفرق كبير بين الحالتين.

وعلى العكس تماما من الفكر السلفي التقليدي، فإن الإمام الشيخ، محمد عبده، رحمه الله صاحب تفسير المنار للقرآن الكريم، ومفتي الديار المصرية في نهايات القرن التاسع عشر، كان يرى أن نظرية دارون لا تتعارض بالضرورة مع القرآن. وذكر الإمام الشيخ، محمد عبده،  الآية الكريمة " ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا" (سورة نوح آية 13-14)، ليدلل على أن الخلق تم على مراحل (أطوارا)،  وأن تطور الأنواع لا يتعارض بالضرورة مع القرآن الكريم.

وكان رأيه أن "آدم" في قصة بداية الخلق ربما يرمز إلى الجنس البشري، وليس فقط إلى شخص واحد. وساق العديد من الحجج الدينية ليؤكد ذلك. وفي هذا المفهوم فإن قصة الخلق التقليدية المذكورة في الآيات التالية (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ  ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)- سورة الأحقاف آية 12-14 ربما تكون رمزا إلى أن الخلق تم على مراحل عدة قد يفصلها الآلاف أو حتى ملايين السنين وليس على مرحلة واحدة كما يظن الكثيرون. وكان وجهة نظر الشيخ، محمد عبده، أن الأخذ بها الفهم وهو خلق الإنسان على عدة مراحل قد تفصلها عن بعضها البعد أحقابا (أو بمعنى آخر تطور الأنواع) لا يتعارض مع القرآن وهو فهم يقبل أيضا  بعض مباديء وأفكار نظرية التطور.

وتأتي آية 11 من سورة الأعراف والتي تقول " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ " لتضيف بعداً آخر للفهم القرآني وهو يتكلم عن ثلاث مراحل لخلق الجنس البشرى، وهي مرحلة الخلق، ثم مرحلة التصوير، ثم مرحلة إخضاع الوجود وقوانين الطبيعة له (أي للإنسان)، وهي أي قوانين الطبيعة قد يكون مشار إليها رمزا بالملائكة كما ذكر الشيخ، محمد عبده، في تفسير المنار. فهل تمت هذه المراحل خلال نصف ساعة أم خلال ملايين السنين؟ لم يحسم لنا القرآن هذا الأمر، ولذا فإن التأويل متاح!

فإذا وضعنا في اعتبارنا أن نظرية التطور لدارون لم تتطرق إلى بداية الحياة نفسها، وإنما ناقشت مراحل التطور فيما بعد وجود الحياة، فإن الإيمان بهذه النظرية قد لا يكون متعارضا مع القرآن بصورة مطلقة كما قد يظن الكثيرون.
وللحديث بقية!
 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.