عناصر من الشرطة الأردنية. أرشيف
عناصر من الشرطة الأردنية. أرشيف

خيّم شبح الاحتجاجات والإضرابات على المشهد في الأردن طوال الأيام الماضية، وارتفع منسوب المخاوف من أن تُشكل إضرابات السائقين احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات مقدمة لهبات شعبية، وحالات من العصيان المدني قد يُصعب تطويقها، والسيطرة عليها. 

تحرك مجلس النواب برئيسه الجديد، أحمد الصفدي، في أول اختبار له لنزع صاعق الانفجار، ونجح الصفدي في الضغط على الحكومة للتعامل الجدي مع الأزمة بدل تجاهلها، وإدارة الظهر لها، والسعي الحثيث للدخول في مفاوضات لإيجاد أرضية لحلول توافقية حتى ولو كان ذلك على حساب هيبة الحكومة، وإعلانها أنها لا تملك ترف دعم المحروقات.

في الذاكرة الرسمية والشعبية، الاحتجاجات معادل موضوعي لأزمة بأبعاد سياسية، واجتماعية، وأمنية. ولا يغيب عن البال أن اشتعال الإضرابات مهما كانت صغيرة أو كبيرة مرهقة ومكلفة للدولة، ويُصاحبها عادة خسائر، وتضحيات، ولذلك فناقوس الاحتجاجات، والإضرابات حين يُقرع تدخل على خط الأزمة الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها المخابرات، والقصر الملكي، وتبسط ولايتها لاجتراح حلول سريعة تطفئ التحركات في مهدها قبل أن تتوسع تداعياتها. 

السؤال اليوم: هل انتهى الإضراب، ونجح مجلس النواب في امتصاص حالة الغضب، أم أن الأزمة متدحرجة، ومخاطر التصعيد مستمرة؟ 

المعلومات بشأن الإضرابات تبدو متعارضة، ولكن الأجواء تتجه للتهدئة بعد تشكيل لجنة برلمانية حكومية وعدت بمراجعة ملف النقل بالبلاد، وإثر تصريحات من هيئة تنظيم النقل البري عن دعم نقدي سيُقدم للسائقين بداية العام المقبل، وبعد معلومات مسربة من وزارة الطاقة أن تسعيرة المحروقات ستشهد تخفيضا ملموسا مقرونا بتراجع أسعار النفط عالميا. 

منسوب النقد، والخطابات النارية التي تهجو حكومة الدكتور بشر الخصاونة، ارتفع، وعادت الشائعات إلى صالونات عمّان التي تتوقع أن يبدأ العد العكسي لرحيل الحكومة، وفي الأثناء بدأ نواب بتوقيع عريضة حجب ثقة عن الحكومة لا يُتوقع أن ترى النور، إلا إذا استمر إيقاع الأزمة في التصاعد. 

تصريحات الرئيس الخصاونة تحت قبة البرلمان أن "خزينة الدولة لا تملك ترف دعم المحروقات وبأنها دعمت المحروقات بـ 550 مليون دينار العام الماضي، ولا تستطيع الاستمرار بذلك، ولا تملك المال، وأن أي دعم سيزيد عجز الموازنة"، كان بداية الغضب، وقُرأ على أنه رسالة أن الحكومة لن تستجيب للمطالب بتخفيض المحروقات، ولن تقبل محاولة ليّ ذراعها، وأنها ماضية بتنفيذ أجندتها الاقتصادية التي لا تحظى بالرضى، والقبول حتى من الموالين، والمقربين لها.  

وأطرف الردود على كلام الحكومة، ورئيسها جاء على لسان النائب، محمد الظهراوي "سعر صوبة الكاز أرخص من سعر الكاز نفسه"، مُشيرا إلى توقع تصاعد الاحتجاجات لأن أسعار المحروقات تتراجع عالمياً، ويزيد سعرها محلياً، فيما اعتبر النائب عمر عياصرة أن الأزمة خرجت عن نطاق سائقين وحكومة، إلى صراع أوسع، ونحن نقلق على الأوضاع السياسية، والاقتصادية. 

جبهة العمل الإسلامي دخلت على خط المواجهة، وطالبت برحيل الحكومة، واعتبرت أن إضراب السائقين يدق ناقوس الخطر، ويؤشر إلى تفاقم حالة الاحتقان الشعبي. ووزير العمل السابق والمستقيل من حكومة الخصاونة، ونجم منصات التواصل الاجتماعي، معن قطامين، أعلن أنه سيقبل تحدي رئيس الحكومة، ودعاه لمناظرة على الملأ استجابة لكلام الخصاونة أنه يتحدى من يقول إن حكومته الأكثر اقتراضاً في تاريخ الحكومات بالأردن. 

الشارع لا يلتفت لوعود الحكومة، وتصريحاتها، وهو لا يثق بمصداقية آلية تسعير المحروقات، وما يتداولونه أن سعر الديزل ارتفع 46 بالمئة مقارنة بما كان عليه في شهر ديسمبر من العام الماضي، ونفس الأمر ينطبق على سعر الكاز الذي ارتفع 40 بالمئة بالمقارنة بسعره سابقاً.  

خبير النفط والطاقة، عامر الشوبكي، وبعد بدء الإضراب كتب على صفحته على الفيسبوك "خفضوا أسعار الوقود يا حكومة كفاكم تعنتاً، وتأزيما، الدولة ليست لعبة بأيديكم، ولا حقل تجارب"، وأكد ردا على كلام الرئيس "أنه لا يوجد دعم حكومي للبنزين، والسولار، والكاز، منذ عام 2012، وحتى حديث الحكومة عن دعم إسطوانة الغاز بدينارين غير صحيح، والفعلي نصف دينار". 

مجلس النواب في محاولته لإطفاء نيران الأزمة، وإخمادها لم يتردد في توجيه النقد إلى الحكومة التي وصفها في بيانه بأنها عجزت عن الإيفاء بالتزاماتها، لكنه حذر من التجاوز على سيادة القانون، وضرورة حفظ الأمن الوطني، ومنع الاعتداء على الممتلكات، فهو يريد أن يحتوي الشارع، ولا يريد أن يدخل في صدام مفتوح مع الحكومة ليس في أوانه.  

أكثر ما حظي بالنقد في الأيام الماضية، والإضراب مستمر، سفر رئيس الحكومة، ووفد وزاري إلى السعودية لإجراء مباحثات لتعزيز التعاون المشترك، وبرلمانيون وشخصيات عامة معروفة تحدثت همساً، وعلناً أن رئيس الوزراء كان يجب أن يُرجئ زيارته، فالأوضاع الداخلية الملتهبة أولى بالمعالجة، والضبط، ووجود الرئيس في الشارع ضرورة، ويقلص من الغضب، ويُظهر اهتماما أكثر بمزاج الناس. 

هذه الاحتجاجات في الأردن تتزامن مع تقديم الحكومة لمشروع قانون الموازنة لعام 2023، والتي قدرت بـ 11 مليارا و400 مليون دينار، وتعهدت بعدم فرض ضرائب جديدة، وبنمو الإيرادات المحلية بحدود 10.4 بالمئة، وبمعدل تضخم لا يتجاوز 3.8 بالمئة، وبرفع مخصصات شبكة الحماية الاجتماعية. 

البطالة وفق تقديرات دائرة الإحصاءات العامة في الربع الثاني من هذا العام بلغت 22.6 بالمئة، والأرقام أن الفقر وصل إلى 24.1 بالمئة، وهو ما يرفضه، ويكذبه الخبير الاجتماعي الدكتور، حسين الخزاعي، الذي يعتقد أن نسبة الفقر تصل إلى 56 بالمئة، معللاً ذلك بأن نسبة الفقر لا تتطابق مع نتائج مسح العمالة، والبطالة، والتي ُتشير إلى أن معدل من يتقاضون أجرا ما بين 300-400 دينارا يبلغون 56 بالمئة من إجمالي السكان.  

ليست هذه الأزمة الأولى التي يمر بها الأردن، فمنذ عودة الحياة الديمقراطية عام 1989، ومتوالية الاحتجاجات تتعاقب؛ تسقط حكومة، وترحل، ولكن الأردن يظل صامداً في مواجهة الازمات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، ويتغلب عليها وينجو. 

ما أثار القلق في إضراب السائقين الأخير أنه بدأ من معان، المدينة التي انطلقت منها هبة نيسان عام 1989، إثر تدهور سعر الدينار، وتفاقم الوضع الاقتصادي، مما أسهم باندلاع احتجاجات واسعة كانت سببا في إنهاء الأحكام العرفية، وسقوط حكومة الرئيس الأسبق زيد الرفاعي. 

وبعد سنوات ليست طويلة عادت الاحتجاجات بعد رفع أسعار الخبز في الجنوب إبان حكومة عبد الكريم الكباريتي، عام 1996 لتلقي بظلال القلق، والارتباك، وفي الربيع العربي عام 2011، كان العنوان السياسي طاغياً في الاحتجاجات في الأردن، لكن في خلفية المشهد كان ارتفاع الأسعار، وتعاظم الفقر محركاً لا يمكن تجاهله. 

أكثر التجليات التي لا يمكن تجاهلها للمصاعب الاقتصادية كان في الإضراب الأوسع الذي نُفذ في البلاد خلال حكومة الدكتور، هاني الملقي، بعد تقديم مشروع قانون الضريبة، ورفع أسعار المحروقات، مما أشعل الشارع لأيام، وتدخل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وأمر بالتراجع عن رفع أسعار المحروقات، وأقال حكومة الملقي فوراً استجابة لنبض الشارع.  

الدولة الأردنية لديها قرون استشعار ترصد النار تحت الرماد، وتتساهل، وقد تغض النظر عن أخطاء هنا، وخطايا هناك، لكن انتفاضة الشارع، والأمن المجتمعي خط أحمر لا تقبل أن يُكسر. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.