مشهد اللاعبان مبابي وحكيمي شكل ذروة على هذا الصعيد

شهدت نهاية المباريات بين منتخبي المغرب وفرنسا في مونديال قطر لحظات عاطفية نادرة ليست امتداداً للنقاشات المشحونة التي سبقت المباريات والتي رافقت مسيرة صعود المنتخب المغربي خلال محطات مونديال 2022، كما أنها شكلت افتراقاً عن توقعات أن ترافق المباريات وتعقبها أعمال شغب في المدن الفرنسية، لا سيما في مناطق انتشار وإقامة الجالية المغربية في فرنسا، والتي يتجاوز عددها المليون.

فقد حضر في نهاية المباريات ما يمكن وصفه بالعلاقات شديدة التعقيد بين المغاربة والفرنسيين، ولعل أكثر ما مثل هذا الالتباس، هو مشهد النجم الفرنسي كليان مبابي معانقاً زميله في نادي "باري سان جرمان" اللاعب المغربي أشرف حكيمي، فيما بدا أنه أكثر من طقس رياضي تبادل خلاله اللاعبان قمصانهما. وحيال هذا المشهد يمكن للمرء أن يستعرض تاريخاً من العلاقات المعقدة بين المغاربة والفرنسيين، وهي علاقات أعقد وأعمق من أن تفسرها احتقانات السياسة والعلاقات البينية، وحتى اضطرابات اللجوء ومعضلات الهوية.

للهوية الأوروبية لفرنسا عمق أفريقي لشمال أفريقيا دور فيه، وفرنكفونية المغرب بدورها ليست مجرد قيمة ثقافية، إنما هي جوهر حياتي ويومي. لكن مشهد مبابي وحكيمي مثل أكثر من هذا الالتباس، فالمغرب في فرنسا ليس احتمال احتقان يعقب فوز المنتخب، انما وقائع أثقل أملاها وجود أكثر من مليون مغربي في فرنسا، وجيل مهاجر رابع خلفت فيه فرنسا أكثر من احتمال. بعض الاحتمالات تنطوي على اضطرابات، لكن بعضها الآخر اندماجي وإغنائي.

السياسة هي أسوأ ما في هذه العلاقات. السياسة بما هي علاقات استعمارية (قرون الاحتلال الفرنسي لشمال أفريقيا)، وبما هي ضغوط المهاجرين غير الشرعيين، وآخرها الأزمة الناجمة عن رفض دول شمال أفريقيا القرار الفرنسي بإعادة لاجئين غير شرعيين إلى بلادهم، وبما هي علاقات مضطربة بين أجهزة الأمن والمخابرات، بدءاً من اغتيال المخابرات المغربية المعارض المغربي المهدي ببن بركة في فرنسا، ووصولاً إلى ما كشفته تحقيقات بيغاسوس عن اختراق الأمن المغربي لهاتف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

لكن في مقابل كل هذا السياق من العلاقات المتقلبة وغير المستقرة، ثمة وقائع عميقة من النادر أن يتم استحضارها أثناء تناول العلاقات بين المغاربة والفرنسيين. مشهد اللاعبان مبابي وحكيمي شكل ذروة على هذا الصعيد، فالحضور المغربي، لا بل المغاربي في فرنسا، جرى اختصاره في العقود الفائتة بعشرات من المتشددين نفذوا عمليات إرهابية، وأشيح النظر عن ظواهر اندماجية وعن علاقات إيجابية، لا تقتصر على مبابي وحكيمي وزين الدين زيدان وكريم بنزيما، وليست الرياضة هي الميدان الوحيد على هذا الصعيد.

وإذا كان للإسلام السياسي ولفروعه التكفيرية دور في تظهير العلاقات المتوترة بين أوروبا وبين مهاجريها المسلمين، فإن اليمين الأوروبي ليس مقصراً على هذا الصعيد، فما رافق مسيرة صعود المنتخب المغربي من أحكام تنميطية في جزء من الإعلام الغربي شكل مساهمة في هذا الشرخ، وأن تقارن محطة تلفزيونية ألمانية عامة بين لاعبي المنتخب المغربي عندما رفعوا أصابعهم احتفالاً بتسجيلهم هدفاً، وبين عناصر "داعش" حين يقدمون على نفس الحركة، فهذا ينطوي على قابلية جاهزة للحكم "الثقافي". وفي هذا السياق أيضاً وصفت صحيفة ألمانية أيضاً رفع أحد اللاعبين المغاربة العلم الفلسطيني، بأنها فعلة "لاسامية"، وهذا أيضاً مؤشر إلى استعدادات "أوروبية" تتعاظم هذه الأيام، في ظل صعود اليمين إلى شيطنة الشرق ومغاربييه.

وهنا علينا أن نعيد النقاش حول "داعش" الأوروبية إلى بدايته، ذاك أن تعقب سير عناصر التنظيم الأوروبيين كشف عن صدورهم من ثقافات غربية مثلما صدروا عن هويات أهلهم. ولدوا في أوروبا ونشأوا فيها، وجرى تجنيدهم في ظل فشل أنظمة الدمج والتعليم، في وقت كانت علاقتهم بثقافاتهم الإسلامية مستجدة وغير ثابتة ومستقرة. جاءوا إلى "داعش" من فرق موسيقية غربية ومن جامعات ومن أندية رياضية، ومن تعثر علاقاتهم بجيل المهاجرين الذي سبقهم. وجاءوا أيضاً من هوية سابقة على ولادتهم.

النهاية "العاطفية" للمباريات لا تشبه نتيجتها، وهي لا تشبه أيضاً النهايات التي ترافق المباريات بين المنتخبات، فاللقاء بين فرنسا والمغرب ينطوي على أكثر من تنافس رياضي، وهي ليست فقط بين مُستعمرٍ سابق ومُستعمراً، هي بين مزدوجي الهوية ومزدوجي الثقافة ومزدوجي الإقامة. وهي أيضاً بين أندية فرنسية وأوروبية زودت المنتخبين باللاعبين وبالمهارات، وخلطت الهويات على ضفتي البحر المتوسط. وبهذا المعنى تصبح نتيجة المباريات هامشية وتختلط فيها مهارات اللاعبين بتلك الولاءات غير البديهية التي حاول المساجلون اختصارها بها.