هجوم على دورية لليونيفيل جنوب لبنان
هجوم على دورية لليونيفيل جنوب لبنان

تكمن مشكلة "حزب الله" في أنّ أحدًا لا يُصدّق نفي تورطه في أيّ جريمة منسوبة إليه، ولكنّ قوته تكمن في ذلك أيضا!

ولا يبالي "حزب الله" بالرأي العام الذي لا يصدّقه، إذ يكفيه أن يُخيفه ويُحبطه، لأنّه، عندما ينفي علاقته بأيّ جريمة، فهو لا يتوجّه إلى اللبنانيّين الذين، إن والوه صدّقوه ودعموه، وإن عارضوه تبيّنوا عجزهم عن التصدّي له، إنّما يفعل ذلك، على قاعدة مخاطبة أصحاب القرار الذين يميلون، عمومًا، إلى استخدام هذا النفي حتى يتخلّصوا من عبء وجوب الرد السريع على الجريمة التي ارتكبت بحقهم، إذا كانت لهم مصلحة في ذلك.

وهذه المعادلة عاد "حزب الله" واستخدمها في التعاطي مع الهجوم الدامي الذي شنّه، مساء الأربعاء الماضي، تحت ستار ما يُسمى بـ"الأهالي"، على دوريّة من الوحدة الأيرلندية العاملة في إطار "قوة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان "(يونيفيل) فأردى جنديًا وجرح ثلاثة آخرين.

وتعرف الدول كما يعرف اللبنانيّون أنّ تسمية "الأهالي" ليست سوى قناع يستخدمه "حزب الله" حتى يتمكن من التواجد في المنطقة التي يحظّر القرار 1701 وجوده كقوة مسلّحة فيها، وتُعينه على التحرّك، أمنيًّا وعسكريًّا.

وقناع "الأهالي" هو بالتحديد ما استهدفه تعديل طريقة تحرّك "اليونيفيل"، في قرار تمديد مهامها في لبنان سنة إضافيّة، في الحادي والثلاثين من أغسطس الأخير، بعدما ثبت بالأدلّة أنّ "الأهالي" هم الذين يغطون حفر الأنفاق الحدوديّة، ويتولّون تخزين الأسلحة المحظورة وغيرها من العمليات التي يجب منعها، حتى لا تستحيل الهدنة التي لم تتطوّر إلى سلام، في لحظة حرجة، إلى حرب ضروس.

وهذا التعديل الذي أعطى اليونيفيل حريّة التحرك في منطقة عملها، لأنّها "لا تحتاج إلى إذن مسبق أو إذن من أي شخص للاضطلاع بالمهام الموكلة إليها، ويُسمح لها بإجراء عملياتها بشكل مستقل"، أثار غيظ "حزب الله" وقرّر التحرك ضده لإحباط مفاعيله، ولكنّه كان ينتظر اللحظة التي تناسبه!

ويبدو جليًّا أنّ الظروف الآتية قد حدّدت لحظة الصفر: تدهور غير مسبوق في العلاقات الأوروبيّة-الإيرانيّة، تنسيق أوروبي-خليجي-إسرائيلي غير مسبوق، ضرب معابر الأسلحة من إيران إلى "حزب الله" في سوريا وتسليط الضوء على حركة مشبوهة للطيران الإيراني في اتجاه مطار رفيق الحريري الدولي، والفراغ الرئاسي وحاجة حكومة تصريف الأعمال إلى "حزب الله".

ومن يبتعد قليلًا عن الموقف الرسمي الذي أطلقه "حزب الله" نفيًا لأيّ تورط له "بالحادث غير المقصود"، وفق تعبير المسؤول فيه وفيق صفا، ويقترب، بالقدر نفسه، من مواقف الشخصيات والمنابر التي يعتمدها "حزب الله" يكتشف أبعاد الرسالة التي حملها استهداف موكب الوحدة الأيرلندية.

وفي خلاصة هذه الرسالة التي وجهها "حزب الله" يتضح الآتي: سبب الصدامات التي وقعت بين "الأهالي" والقوات الدولية هو "خروجها عن الطرق المسموح لها التنقّل عبرها وبغياب الجيش اللبناني. وتؤكّد وقائع حادثة العاقبية ضرورة التنسيق بين القوات الدولية والجيش اللبناني في أي خطوة تقدم عليها اليونيفيل، بما يخفّف من التوتّر ويحدّ من إساءة الفهم والوصول إلى حوادث غير مقصودة.

ولتحديد الجهة التي صاغت هذه الرسالة، لا بدّ من العودة إلى موقف "حزب الله" الغاضب من التعديل الذي أدخله مجلس الأمن الدولي وحرّر اليونيفيل من "الحاجة إلى إذن مسبق أو إذن من أي شخص للاضطلاع بالمهام الموكلة إليها". فبعد سلسلة تهديدات وجهها ناطقون باسم الحزب، أطلّ أمينه العام حسن نصر الله في السابع عشر من سبتمبر الأخير، بخطاب وصف فيه قرار مجلس الأمن "بالفخ الذي ينصبه الإسرائيليّون منذ سنوات طويلة" وقال: "هذا تعديل مشبوه ويفتح الباب أمام مخاطر كبيرة في منطقة جنوب الليطاني" وتابع: "إذا أرادت اليونيفيل أن تتصرّف بعيداً عن الدولة والجيش المعني بالحركة جنوب الليطاني فإنها ستدفع الأمور إلى مكان ليس من مصلحتها وليس من مصلحة لبنان".

وعليه، فإنّ ما تعرّضت له الدوريّة الأيرلنديّة، مساء الأربعاء الماضي، ينفّذ حرفيًّا ما سبق أن هدّد به نصر الله.

إنّ نفي "حزب الله" مسؤوليّته عمّا حصل في جنوب لبنان يهدف، بعدما أوصل رسالته الميدانيّة بالدم ضد تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي، إلى احتواء ردود الفعل، فهل هناك من سيرفض هذا النفي ويتحرّك على أساس موقفه، أم أنّ الجميع سيتواطؤون على دماء زكية جديدة يسقطها سلاح "حزب الله" على أراضي لبنان الساقط في الجحيم؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.