أحد أفراد دورية لليونيفل الإيرلندي قتل في هجوم مباشر. أرشيفية
أحد أفراد دورية لليونيفل الإيرلندي قتل في هجوم مباشر. أرشيفية

تثير الأوضاع المضطربة في إيران أسئلة كثيرة حول مآلاتها وانعكاساتها. ويظل السؤال، هل سيتمكن النظام من قمع الثورة أم من احتوائها؟ هل سيتنازل لبعض مطالبها؟  

يبدو أنه، أمام شرعيته المهددة، سيعتمد التصعيد. في الداخل، الإعدام عقاب التظاهر السلمي. في الخارج أيضا، يحاول النظام الإيراني تصدير مشكلته. قصف مناطق الأكراد في العراق، بذريعة وجود معارضة إيرانية فيها، وحرك الحوثيين فرفضوا الهدنة. ناهيك عن تحريك بعض الزوارق في الخليج وتحريك قطاع غزة من وقت لآخر.  

تتصاعد في نفس الوقت المواقف الدولية ضده. يهدد الاتحاد الأوروبي بالعقوبات بسبب قمع المتظاهرين وبسبب تدخله في أوكرانيا. مؤخرا تم طرد إيران من لجنة حقوق المرأة في الأمم المتحدة. أما المحادثات بشأن الاتفاق النووي فدخلت ثلاجة يصعب أن تخرج منها. حتى السيد مالي، المعروف بميله نحو إيران، بدأ يشير إلى احتمال رد عسكري على نشاطات إيران غير الشرعية. ما جعل قائد الحرس الثوري يقر بخطورة الوضع في إيران. 

في التوقيت 

في لبنان يستمر الفراغ الرئاسي. يُسأل حزب الله عن استعصاء انتخاب رئيس بديل للمنتهية ولايته، لأنه غير قادر على فرض الرئيس الذي يريد. لذا يتصاعد الحديث عن وجود تهديدات أمنية للمرحلة المقبلة.  

وبعد تمارين متفرقة، آخرها غزوة مصغرة للأشرفية بحجة الاحتفال بالفريق الرياضي المغربي، جاءت المفاجأة من الجنوب.

يوم الخميس الفائت في عملية هجوم مباشرة وغير مسبوقة، ضد القوات الدولية لحفظ السلام قتل أحد أفراد دورية لليونيفل الإيرلندي شون رووني. قيل لنا أن الأهالي قاموا بذلك. وقيل ايضاً أن علينا عدم حشر حزب الله بما حصل! مع أننا نعلم أن الأهالي "الحقيقيين" في الجنوب هم كالسمن على العسل مع قوات اليونيفيل.  

مع ذلك اعتدنا في مناسبات عدة على تحركات "لأهالي" غاضبين في كل مرة لا يريد فيها حزب الله ان يكون في الواجهة. وشهدنا غزوات "للأهالي" صغيرة وكبيرة في الأشرفية وعين الرمانة وغيرهما. ولقد اعتدنا على تحركاتهم ضد عمل دوريات اليونيفيل من حين لآخر وفي مناسبات مختلفة، لوضع حد لنشاطهم "المشبوه"!! تنفيذا للقرار 1701 الذي ناضل لبنان لإقراره!  

لكنها المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا التعدي المباشر على دورية تابعة لليونيفل وإطلاق النار عليها مباشرة. 

سرعان ما طالب حزب الله، على لسان وفيق صفا، بعدم إقحامه في الحادثة. وسارع إلى تقديم التعازي لقوات اليونيفل. على غير عادته، بحسب الإعلام الممانع، الذي يقرر أيضاً "انه حادث عابر وابن ساعته".  

لكن الشيخ صادق النابلسي، القريب من الحزب، يبرّر العملية بقوله:" إن بعض الدول المشاركة في اليونيفل تعمل وكيل أمن إسرائيل، ويعرفون الطرق والزواريب في لبنان كما يعرفون أبناءهم، لم يكونوا تائهين في هذا المكان ولم يكن غرضهم الخروج إلى شارع "مونو" لاحتساءالكحول. الخروج عن جدول الأعمال وتجاوز الجيش اللبناني مرارا وتكرارا ليس بريئاً". 

"الأهالي" والشيخ النابلسي، هم الأدرى بنوايا وجدول أعمال دوريات اليونيفيل. 

أما لماذا علينا أن نصدق مزاعم براءة الحزب، بحسب الإعلام الممانع؟ فلأنه ليس بمقدور أي كان :" إثبات أي ضلوع للحزب في الحادث كونه وقع في منطقة "محظور" عليه النشاط الواسع والعسكري فيها"!!  

لأن الحزب اشتهر، على ما يبدو، باحترامه لكافة أنواع الحدود والمعاهدات!! 

لكن وزير الداخلية اللبنانية في حديث إلى العربية الحدث، أعلن بوضوح أن هذا الاعتداء جريمة. وأن الذريعة التي تقول إنه حادثة ومن فعل الأهالي غير مقبول. التحقيقات تشير إلى اعتراض سيارة جنود حفظ السلام في موقعين... ويخلص إلى أن التحقيق يجب أن يكون جديا". 

ما يشغل صحيفة ممانعة على صفحتها الأولى، متابعة أخبار باسيل الذي "يعوّل على الدوحة للوصول إلى صفقة رئاسية تضمن نفوذه والوطني الحر". 

أما الصحف الأخرى فعكست هموم وأسئلة اللبنانيين تجاه الحادثة: "هل تصعّد إيران في الخارج لِتُلهي الداخل؟" وحول التحقيق "لا معلومات ولا توقيفات".. بالمقابل أعلن وزير خارجية آيرلندا رفضه نفي «حزب الله» علاقته بالاعتداء على القوة الدولية! 

السؤال، هل يتحمل لبنان أعباء هكذا أعمال؟ أم أن نتائج هذه الجريمة ستدخله مرحلة جديدة شديدة الخطورة؟ كيف سيوجه الشعب اللبناني هذه الجرائم الموصوفة، التي ستزيد من وتيرة الانهيار والتدهور المعيشي بشكل يهدد بأن يصبح لبنان غير قابل للإصلاح؟ هل لحزب الله مصلحة بحصول ذلك؟ هل يحق للشعب اللبناني أن يستنتج الآن: كان يعلم! 

نصرالله بعيون إسرائيلية 

في الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بالحادثة، تنشغل صحيفة الأخبار بصورة المقاومة عند العدو، فتعنون بأن "تهديدات المقاومة تَشغل العدو". 

بما أن الممانعين يهتمون كثيراً برأي العدو بهم، فلقد أحببت لفت نظرهم لما جاء في مقال كتبه يواف ليمور، وهو صحفي إسرائيلي مخضرم ومحلل في الشؤون العسكرية، في مطلع حزيران الماضي، أي قبل ترسيم الحدود البحرية مع العدو إياه، وعنوانه: "نصرالله يمكن ردعه، لكن لم يحن الوقت بعد للقضاء عليه". 

ويخلص إلى القول أن: نصرالله، الذي مضى عليه 30 عامًا كزعيم لحزب الله، لم يعد هو نفسه القائد الذي كانه: لقد ذهبت الكاريزما، وفي مكانها، هناك قدر كبير من البطن والعرق، وحقيبة كبيرة من الهموم والأشياء التي يجب القيام بها، والمشاكل التي لا يمكن حلها بالخطب الحماسية.  

لقد بدأ ثوريًا وانتهى زعيمًا لبنانيًا إقطاعيًا آخر، منشغلًا طوال الوقت في تعزيز مكانته كراعٍ للشيعة داخل النظام السياسي اللبناني الداخلي. 

ماذا عن عيون اللبنانيين؟ 

لكن السؤال الأهم يبقى: هل يهتم نصرالله وحزبه بصورته "بعيون لبنانية"؟ 

أما عن ما يعتبر "معارضة"، فها نحن بانتظار مواقفهم ومصير الشعارات السيادية والتغييرية! 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.